كيسنجر يقرع الطبول ثانية

كيسنجر يقرع الطبول ثانية

في ربيع عام 1982، ولم يكن «حزب الله» قد ظهر الى الوجود ، كتب الجنرال ماكسويل تايلر،  وكان رئيساً للأركان  (1962 ـ 1964) عن القوس الاستراتيجي بين خراسان وجنوب لبنان الذي كان في قبضة ياسر عرفات...

آنذاك، ومن السياق الذي اخذه النص، كان عنوان مقالة لي «مائة يوم من الطوفان». بالفعل، في الأسبوع الأول من حزيران، وقع اجتياح لبنان، ودخل ارييل شارون الى فناء القصر الجمهوري..

الآن يتحدث هنري كيسنجر الذي له ظلاله داخل الادارات الأميركية المتعاقبة , وقد استشاره دونالد ترامب حول المنطقة، عن «امبراطورية ايرانية هوجاء» من طهران الى بيروت اذا ماحل الايرانيون في المساحات التي كان تنظيم الدولة الاسلامية يشغلها في العراق وسوريا..

عندنا، في هذه المنطقة فقط، لا يتقيأ التاريخ نفسه كوميدياً بل انه يتقيأنفسه دموياً . ثمة ساسة لبنانيون ويبشرون بأنه مثلما مناحيم بيغن اقتلع منظمة التحرير الفلسطينبة  , سيقتلع بنيامين نتنياهو «حزب الله» من لبنان.

هؤلاء الساسة لا يأخذون بالاعتبار تهديدات تل ابيب بتقويض الدولة اللبنانية (لاحظوا ان كيسنجر حدد بيروت كرمز لهذه الدولة )، ولا كون الحزب لبنانياً ومقاتلوه وأنصاره يشكلون جزءاً عضوياً، وفاعلاً, في التشكيل «الجيولوجي» للبلاد.

ربما كان هذا السؤال ضرورياً في الوقت الراهن،  مع تشديد جهات لبنانية على «اليوم الأسود» الذي ينتظر الحزب. هل كان لـ «حزب الله»أن ينشا لولا الاحتلال الاسرائيلي الذي كان مبرره الوحيد  للبقاء، على مدى 18 عاماً,اما الحاق لبنان بالجليل، او تحويل لبنان بأسره الى ضاحية لهيكل سليمان  للنفاذ  الى سوريا، ومنها الى الداخل العربي...

واذ قلنا مراراً اننا بعيدون عن البنية الثقافية والبنية الايديولوجية للحزب، نتساءل: الم يعتبر كبار الباحثين الاستراتيجيين ان الذي حدث عام 2000 كان معجزة . طوابير الميركافا ارغمت على التقهقر الى ما وراء الحدود . نذكّر فقط بسؤال آموس اوز عن الدبابات التي ترفع الرايات السوداء.

ساسة في لبنان يتحدثون عن حصار اميركي، وحصار عربي (ما دام العرب احترفوا حصار العرب)، وحصار اسرائيلي. يذهبون الى ابعد من ذلك ويؤخذون بتعليقات كتّاب لبنانيين معروفين بارتباطاتهم الأميركية بأ ن روسيا ضاقت ذرعاً باللاءات الايرانية في سوريا، وقد تغض الطرف، في اطار صفقة معينة، عن عمليةعسكرية واسعة النطاق وتفضي الى تفكيك النفوذ،  والوجود، الايراني...

التسويق لذلك قائم على قدم وساق دون ان يدركوا مدى اهمية ايران،  بموقعها الجيوستراتيجي البالغ الحساسية، وبقدراتها العسكرية، بالنسبة الى الكرملين الذي اذ لا يثق بتاتاً بالسياسات الاميركية، يعلم مدى العداء داخل البنتاغون، كما داخل اجهزة الاستخبارات الأميركية، وبالدرجة الأولى الكونغرس، لتحول روسيا الى قوة دولية ... الأمور في لبنان، وفي المنطقة , تمضي في اتجاه مختلف. مع التوقف عند سذاجة، وسطحية، وكراهية،الذين يرددون ببغائياً ان «حزب الله» يسيطر على قرارات الدولة. غداً  على مؤسسات الدولة,

لبنان بتنوعه لا يمكن ان يكون دولة احادية البعد، وفلسفة الحزب التي كانت مشوشة ومغلقة في البداية باتت اكثر تجذراً ووعياً بالواقع اللبناني الذي لا قيمة له، ولا وجود له، اذا لم يقم على التعددية، وعلى التفاعل بين المكونات، لا بين الكيانات، المختلفة...

الآن، المنطقة، ونحن في داخلها ,امام تحولات بعيدة المدى. لبنان وسوريا في سلة واحدة. لا داعي لتلك الدوونكيشيات التي قد تحل طواحين الدم محل طواحين الهواء. اين المشكلة في ان يذهب وزيران الى دمشق. لا أحد اعترض على زيارة الرئيس سعد الحريري لواشنطن التي تصنّف وزراء «حزب الله» في حكومته ارهابيين، ودون ان يعلق ببنت شفة على الكلام الصاعق لدونالد ترامب ضدالحزب فقط  لأنه «يهدد الأمن القومي «لاسرائيل...

لفرانز كافكا هذ التعبير السوداوي «المتسكعون على ارصفة العدم». هنا المتسكعون على ظهورالابل!!

_ نبيه البرجي - الديار