الحرب التجارية الحقيقية تكمن داخل إدارة ترامب

الحرب التجارية الحقيقية تكمن داخل إدارة ترامب

في 28 فبراير تلقى المدير التنفيذي لشركة «نوكور»، أكبر شركة منتجة للصلب في الولايات المتحدة، جون فيرولا، اتصالاً من البيت الأبيض، حيث طُلب منه الوجود بواشنطن في اليوم التالي، وبالفعل ظهر فيرولا بالجناح الغربي للبيت الأبيض، في الأول من مارس، حيث كان مع عشرات من المديرين التنفيذيين للشركات الأخرى، وأُبلغوا جميعاً بأنه سيكون لديهم اجتماع خاص مع الرئيس دونالد ترامب.

 

وكان موضوع الاجتماع هو فرض تعرفة جمركية على الحديد المستورد ومعادن أخرى، وهو إجراء لطالما طالبت به صناعة الصلب في أميركا، وكما قال فيرولا فإن الرئيس كان مستعداً للقيام بهذه الخطوة. وبعد نهاية الاجتماع، الذي حظي فيه بتشجيع المديرين التنفيذيين، بدا ترامب أنه مقتنع بتلك الخطوة، وأبلغ الصحافيين أنه ينوي فرض ضريبة قدرها 25% على الحديد المستورد و10% على الألمنيوم. وقال ترامب أمام المديرين التنفيذيين «ليس لدى أحد فكرة عن مدى السوء الذي عوملت به دولتنا»، وأضاف «لقد دمروا صناعة الصلب والألمنيوم لدينا، لكننا نريد إعادتها إلى وضعها الأصلي».

 

وإثر ذلك باتت واشنطن في حالة انفعال، وتراجعت سوق الأسهم، ووبخ الجمهوريون ترامب بكلمات قاسية، وسريعاً انتشرت الشائعات حول دوافع الرئيس لفعل ذلك، وقيل إنه تصرف كذلك وهو في نوبة غضب اشتعلت نتيجة تحقيقات المحقق الخاص، روبرت مولر، بشأن روسيا، واستقالة مستشارته للاتصالات المقربة منه، هوب هيكس. لكن الرئيس لم يرتدع، وقال في تغريدة يرد فيها على سيل الانتقادات الموجهة إليه: «حروب التجارة جيدة، ويسهل كسبها».

وكان إعلان ترامب كمن وجّه صفعة قاسية للمؤسسة السياسية والوعود التي قدمها لناخبيه في حملته الانتخابية عام 2016، ورغم كل آراء ترامب الشعبوية نجح الحزب الجمهوري، حتى تلك اللحظة، في كبح جماح ترامب في ما يتعلق بالتجارة، خلال العام الأول من وجوده في السلطة. ويبدو أن التعرفة الجمركية التي فرضها ترامب على المعادن ستمثل انقطاعاً مع الحزب الجمهوري.

 

ولطالما كانت سياسة التجارة موضوع صراع داخلي بلا طائل داخل البيت الأبيض نفسه. وقدم مستشار ترامب الاقتصادي، المعروف بدفاعه عن السوق الحرة، غاري كوهن، استقالته في السادس من مارس، في أعقاب الإعلان عن فرض التعرفة الجمركية، ويبدو أن الرئيس محاصر بين دوافعه للتنافس (أي قناعاته القوية الطويلة الأمد بشأن التجارة)، وسجل امتثاله لعقيدة الحزب الجمهوري.

 

ومنذ ثمانينات القرن الماضي، يشتكي ترامب من أن الولايات المتحدة تتعرض للخداع من قبل المنافسة الخارجية الظالمة. وبينما كان مرشحاً للرئاسة ظل يكرر فكرة الوقوف بحزم إزاء هذا الموضوع، وأدى موقف ترامب المتعلق بالتجارة إلى انفصاله عن الجمهوريين الآخرين.

 

ورحبت الطبقة العاملة من ناخبي ترامب بوعوده لجعل أميركا عظيمة من جديد عن طريق استعادة الصناعة إلى البلاد. وبعد أن ساعد الناخبون من الوسط الصناعي للبلاد على إيصال ترامب إلى السلطة، قرر مواصلة خطابه المتعلق بهذا الموضوع. وخلال حفل التنصيب تحدث عن المصانع المنتشرة في أنحاء البلاد، وطالها الصدأ، وأضاف بقوله «علينا حماية حدودنا من اللاجئين القادمين من الدول الأخرى، والذين يسرقون شركاتنا ويأخذون وظائفنا».

 

وكان الجمهوريون يخشون أن يتمسك ترامب بوعوده المتعلقة بالتجارة عندما يصل إلى السلطة، لكنهم أدركوا سريعاً أن ترامب الذي نسي تفاصيل حملته يمكن أن يتشتت بسهولة، كما أنه يحب الإطراء. ونجح أنصار السوق الحرة في البيت الأبيض، أمثال كوهن، في منع الرئيس من إلغاء اتفاقية التجارة الحرة «نفتا»، إضافة إلى إجراءات متطرفة أخرى.

 

في أحد الاجتماعات بالبيت الأبيض قال ترامب لرئيس أركان البيت الأبيض، جون كيلي، إنه يشعر بأن أنصار العولمة يشكلون عقبة في طريقه. وقال «أريد التعرفة، وأريد أحداً أن يجلب لي التعرفة الجمركية»، لكن بحلول الأول من مارس بدا ترامب أخيراً قد تخلص من القيود. ولم تنجح المحاولات المحمومة لثنيه عن فرض التعرفة، حيث أعلن البيت الأبيض أن الرئيس وقّع قرار فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألمنيوم، باستثناء كندا والمكسيك، كما أشار إلى أن القرار سيصبح نافذاً بعد 15 يوماً.

 

ووقّع ترامب، أول من أمس، قرار فرض رسوم جمركية من 25% و10% على واردات الصلب والألمنيوم على التوالي، في إطار إجراءات الحمائية التجارية الأميركية، متجاهلاً بذلك التحذيرات من حرب تجارية عالمية واحتجاجات حلفائه في أوروبا وفي الداخل.

مجلة «تايم» الأميركية – عن الامارات اليوم