إزالة الآخر من خريطة الطقس: مقابسات بلقانية

إزالة الآخر من خريطة الطقس: مقابسات بلقانية
إزالة الآخر من خريطة الطقس: مقابسات بلقانية

"لست بحاجة إلى راصد جوّي لتعرف من أين تهبّ الريح"، مرةً أخرى أقول، ربما كان هذا السطر من أُغنية بوب ديلان هو المحرِّض على كتابة هذه المقالة. أرى أن الأمر مرتبط ببداية التلاعب الجماعي بالرأي العام. لقد رافقتني أغنية ديلان، التي ظهرت سنة 1965، في مغامرة بحثٍ على غوغل منقِّباً عن كتاب خرائط مصوَّر يعود إلى الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك خريطة رمزية تُصوِّر أوروبا الشرقية في عام 1917.

وما لفتَ انتباهي في هذه الخريطة صورةٌ لمدحلة بخارية يدفعُها دبّ روسي أبيض كبير. كانتْ مرسومة قبالة القارة الأوروبية وبدا الدبُّ منهمكاً للغاية في عمله. لا شيء غريب! أليس كذلك؟ فليست المرة الأولى التي نرى فيها أعداءنا على شكل حيوانات. إنها الطريقة القديمة ذاتها - منذ زمن إيسوب - (نُخَيْوِنُ) التي نسخِّف بها أعداءنا الألداء.

لكن في الرسم نفسه، كان ديكٌ فرنسي يمزق الوجه القبيح لدبٍّ بنّيّ (يرمز إلى ألمانيا)، وكان مصارع ثيران إسباني يواجه ثوراً من وراء ظهور البرتغاليين، وكان إنكليزيّ في زيّ بحّارٍ يلكم رأسَ الدب البنّيّ.

في مكان ما من الطرف الآخر، يراقبُ شخص دانماركي كل شيء من خلال نظارته أحادية العدسة، ورجل هولندي يغيّر تعابير وجهه ساخراً وهو يدخّن غليونه، ويظهر رجل بلجيكي يحيط رقبته بمنديل، وكأنه للتوّ غادر مطعماً أو محل حلاقة. كان الجميع يرتدون الزي العسكري، ويبدو أنهم محتشدون لمواجهة الرجل السويسري، الذي يجلس كما لو كان في أرض الصَّيد.

ما كان يُفترض أن تكون أوروبا عليه في 1917: حديقة حيوان غارقة في الحرب والذعر. وكان هناك ضحية واحدة فحسب - كلب نمساوي - مَجَري أجرب ومقيَّد، غرزتْ صربيا حربةً بين أضلاعه، بينما يضرب الإيطالي رأسه بأخمص بندقية فيسحق أنفه. وأخيراً، يصوّر الرسم التوضيحي رومانياً مهتاجاً وهو يقطع ذيل الكلب بمقص.

عنوان هذه الخريطة التي رُسمت في إيطاليا هو خريطة الجغرافيا الأوروبية Carta Geografica Figurata del’ Europa التي يتساءل المرء كيف يمكن أن تكون تصويراً جاداً ما لم يُصوَّر فيها شعب البلقان. لكن انتظر! إنهم هنا! الجبل الأسود تمثّله نملة.

أما البلغاري، فرُسِمَ بأنف كبير مثل كعب حذاء الخريطة الإيطالية. ويظهر اليوناني بملابس الفوستانيللا المفتوحة على اتساعها والحذاء معقوف المقدمة opinga مولياً القارئ ظهره. ويبقى التركي بطربوشه الأحمر وصورته التي يُرثى لها.

ما يبدو مبهماً بعض الشيء في هذا الرسم، أن هناك أيضاً ألبانياً يعتمر قبعة تنتمي إلى فترة عصر النهضة المبكرة أو القروسطية، وهو أمر يصعب فهمه - هل يتحرّك ببطء باتجاه مكان ما؟

إذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أنه في طريقه إلى تحرير أراضٍ تعود لأحدٍ آخر. أو هل تُراه رُسِمَ واقفاً بثبات في بلاده، بكلتا قدميه على الأرض، حيث كُتبتْ كلمة ألبانيا؟

هذا كل ما تقوله لنا الخريطة، غير أننا رأينا أسوأ من ذلك.

ماذا؟ هذا يشبه أن يُطلَب مني أن أبتَّ (بعد مضيّ سنوات عديدة) فيما إذا كان لدينا شيء آخر نضيفه إلى كلِّ الكراهية والعداء.

تقترن الخرائط أبداً بالجيران. ولم يكن باستطاعتي تذكُّر سؤال صديقتي الشاعرة، لو أنها لم تستطرد في السؤال، لأننا كنا نتبادل عبارات الوداع.

قالت: "لا أشعر بصربيتي. أشعر تماماً بأنني يوغوسلافية. أتفهم ما أقصد؟ على الرغم من أن يوغوسلافيا لم تعد على أي خريطة، إلا أنني ما زلت يوغوسلافية".

وأضافت وهي تنظر في عينيّ: "هل تعرف ما هي أجمل كلمة في اليوغوسلافية؟ لا تعرف؟ أصغِ إلى وقْعِها! Du-šš-oo! حمّام!" لفظتْها في أذني وقالت: "إنها الكلمة الأكثر تشبّعاً بالمعنى في لغتنا، ورغم أن اليوغوسلافية لم تعد تُدرس في المدارس، إلا أن هذه الكلمة تُبقينا متّحدين، سواء كنا معاً أو لا. فهي مستخدمة في سائر الدول التي ظهرت بعد تفكك الاتحاد. هل تفهم أهمية هذه الكلمة، prijatelju moj ’صديقي‘؟ ليس بعد؟ همم! أتمنى لك رحلة سعيدة غداً، Dušo!"

اختتمتْ مناجاتها، وهي تغادر، لوحتْ لي بيدها قائلة: "ربما كان لديكم أنتم أيضاً كلمة Dušo باللغة الألبانية؟ لا؟ هذا محزن للغاية! كيف تتصرفون دون وجودها؟ كيف يمكن المرء أن يعيش من دون Dušo يا صديقي الألباني؟".

كانت هذه هي الكلمات الأخيرة التي سمعتها من شاعرة التقيتها عندما دُعينا سوياً إلى التحدث في المهرجان نفسه. لقد عكسَ التعبيرُ على وجه صديقتي ألم خريطة صغيرة شقيّة لم تتلاءم وإقليمها.

كذلك الأمر مع البلقانيين ضمن خريطة أوروبا القديمة أيضاً... هل ستطرأ هناك تبدلات جديدة على حدودهم. هل ستحدث مقايضة في أقاليمهم، كما يفعلون مع المحاربين الذين يؤخذون رهائن؟ هل سيتبادلونها ببرودة، كما يفعل هواة جمع الطوابع البريدية؟

ها قد عاد ميجر العجوز (ويلينغدون بيوتي) في مزرعة الحيوانات لجورج أورويل مرّة أُخرى، فيلسوف التغيير، الذي يذكّرنا بنصيحته الحصيفة: كل ذي ساقين عدوٌّ لنا. كل ذي أرجل أربع، ذي قرون أو ذيول أو أجنحة، هو صديق لنا. دعونا نكرر كل ذلك معاً كجوقة كنيسة، كحشد في الملعب، كخصوم في ساحات التنافس السياسي: كلّ البشر أعداؤنا! وكلّ الحيوانات أصدقاؤنا!


الـمُتَخَفّون والمهاجرون الذين تواروا في اللغات

هل تصدق ذلك؟ إن الأعداء الألداء لأمة ليسوا محميين في السياسة ولا في الاقتصاد. ويوماً ما، سيتسنى لنا أن ندرك أنهم مختبئون في اللغة الأم التي تؤوي الأعداء أكثر من أي شيء آخر. هل تعرف أن العديد من الأجانب والمهاجرين والمتخفّين يتوارون في لغتي الأصلية، لغتي الأم. مثل حصان طروادة: تستضيف الجنود الأجانب في الداخل. ولكن، في الواقع، هي كلمات أجنبية - مستعارة - من قِبَل ثقافتنا، التي مُسحتْ في فترة التطهير البيوريتانيّ.

نعم، يمكن في واقع الأمر أن تتبادل اللغاتُ الأخذَ والعطاء فيما بينها، ولكن لا يمكن أن تقع في الحب. الحب بين اللغات ممنوع. ممنوع مثل الحروب خلال الأشهر الـحُرُمِ. ربما كان داروين على حق عندما قارن بين النَّسَب الناقص للبشر بالحالة غير المقْنعة للغات.

ما نفتقده، يمكننا استعارته، خاصة عندما يتعلق الأمر بالكلمات. وفي بعض الأحيان، نختطفها. إننا نستخدمها، لكننا لا نعتبرها أبداً "ملْكنا". نضيف إلى تلك الكلمات البربرية شيئاً من الأذيالِ (لاحقة suffix) والقرونِ (بادئة prefix)، لمجرد أن نجعلها تبدو وكأنها شياطين. إننا نضطهدها بإلقائها وسطَ مفردات خاصة، كما لو أننا نضعها في معسكر اعتقال، ونحفظها بطريقة "لغتنا النقية الـمُحْصَنة الطاهرة".

وغالباً ما نضع "كلمات اللغة الأجنبية" بين فواصل مقلوبة، كما لو أننا نريد إضافة قرونٍ ومخالب وأظافر ومخالب ومناقير وحوافر. ما الذي نرمي إليه من وراء هذا العمل؟ لماذا وضعنا الكلمات الأجنبية بين الفواصل المقلوبة؟ ما أهمية ذلك؟ من الواضح أننا نريد شيطنة الكلمات الأجنبية في لغتنا، نريد إبداء إشارة صريحة على أن العدو، الجرثومة، أو البكتيريا قد أُدرجتْ في لغتنا الأم كي نجعل هذه الكلمات تبدو مثل الشياطين، مثل الأباليس ماعزية الهيئة ومثل الطيور الرجيمة.

قلّبتُ ذلك في ذهني بمجرد عودتي إلى غرفتي في الفندق. لقد بحثت في غوغل عن أي معنى باطني أو خفيّ لكلمة Dušo التي، برأي صديقتي، حافظتْ على اللحمة بين دول يوغوسلافيا بعد تفككها نتيجةَ الحرب.

إن يوغوسلافيا، بالنسبة إلينا نحن الألبان، أكثر من مجرد ذاكرة بسيطة. كانت البلاد قد تلاشت من خريطتنا الودّيّة في عام 1948 عندما حاولت حكومتها التهام ألبانيا من خلال توحيد العملة والاتحاد الجمركي وحرية التنقل داخل الأراضي المشتركة ودمج جيوشنا كافةً. لقد كنتُ مغسول الدماغ بشكل كلّيّ! كيف لم أدرك في ذلك الوقت أن المشروع اليوغوسلافي كان السلَفَ لمشروع الاتحاد الأوروبي؟

هممم... يا (أوروبّيّينا النبلاء our noble Europeans) الذين يحافظون على طريقة البلقان في الاتحاد لأنهم لا يحترمون حقوق التأليف! فكما يبدو، سرقوا من يوغوسلافيا مبادئ العملة المشتركة والحقوق الأساسية وحرية التنقّل.

وبالإضافة إلى يوغوسلافيا، يختفي أيضاً أولئك الذين يتذكرون زمن النجمة الحمراء الخماسية والشعارات الشعبية Smrt fašizmu - Sloboda narodu/ الموت للفاشية والحرية للشعب.

كانت ذكريات تموز/ يوليو 1946 آخذة بالامّحاء، عندما أمر أنور خوجة، وقد رجع للتو من زيارته الأولى لبلغراد، Koçi Xoxe باتخاذ التدابير اللازمة لتنظيم تظاهرة لافتة في الساحة الرئيسية في تيرانا. سيبدو الناس متحمسين لهذا اللقاء التاريخي، وهم يلوّحون بعلَمَي يوغوسلافيا وألبانيا، ويرفعون لافتات تحمل شعارات مكرسة لـ"الاتفاق بين الشعب الألباني وشعوب يوغوسلافيا" و"الأُخوّة بين الجيش الألباني الوطني والجيش البطولي اليوغوسلافي". وستلعلع مكبرات الصوت في كل مكان بهتافات "أنور - تيتو" (وليس تيتو - أنور!).

وبالطبع، منذ ذلك الحين، انفصلت ألبانيا عن تيتو. دخلَ ألبانيا كلُّ ما هو يوغوسلافي الطابع ومن يوغوسلافيا بطريقة خفيّة. يمكن تفسير جوهر الكلبية (التشاؤمية) cynicism بطريقة أو بأخرى من خلال رسم كاريكاتوري بعنوان "مشروب تيتو المفضل"، الذي صوره الصحافي الألماني هاري هام في عام 1961 في إشقودرة. حتى اليوم، يمكن فهم الشعار بوضوح. كما يمكننا رؤية زمرة تيتو التحريفية وقد أُتخمتْ بالدولارات السائغة للإمبريالية الأميركية.

تركتُ كلّ شيء. كنت أعبث بلوحة المفاتيح وغوغل، حيث كتبت ثلاثة أحرف من كلمة: Duš... حين عرض غوغل الخيار الأول: هل تقصد Dušan؟ ستيفان دوسان الكبير؟ وكنت أبحث عن معنى كلمة بعينها: Dušo لا أكثر!

أدخلتُها مرة أخرى كـ Duš حين اقترح غوغل نصاً ثانياً: هل تقصد Dušman؟ قرأت تعريفها على الشاشة: Düşmen- المشتقة من التركية العثمانية - Dushmán! فانفلشت ذاكرتي فجأة مثل طبلٍ من طبول الحرب. كيف تسنّى لي تذكُّر هذا العدد الكبير من dušmans:

• لوك دوسماني - نبيل بولْتْ، على ضفة نهر درين الشمالية؛
• ليكي دوشمان - أمير زادريما؛
• جيرج دوشماني - دعم الجانب الفينيسي من الحرب؛
• بال دوسماني - أسقف بولت، الذي يُدعى باولو دوسو/ دسمانوس، بحسب البابوية؛
• بافل دوسمان - بالنسبة إلى الصرب، هو الذي أصلح ما بين الأميرين الألبانيين جيرج كاستريوت - سكاندربيغ وليك دوكاغجيني.

لكن كلمة dušman لم تكن معزولة ضمن لغة وثقافة واحدة في البلقان. فقد قاومت هذه الكلمة حميّةَ الشيوعيين الذين آمنوا بأن ألبانيا، بعد انهيار الإمبراطوريتين البلشفية والماوية، ستتمتع وحدها بامتيازِ أنها قلعة متفردة للشيوعية.

كما نجت من تقديس البيوريتانيين الذين أصروا على اقتفاء أي أثر أو وجود لكلمات أجنبية من اللغة الألبانية الإلهية الخالصة. لم يحالف الحظ كلاً من الشيوعيين والبيوريتانيين، وكان الفوز من نصيب البلقان واللغات البلقانية.

أتذكر جيداً مغامرة أظن أنها ستثير الغيرة حتى لدون كيشوت. حسناً، القصة تدور حول باحثَين متخصصين باللغويات من دولة شيوعية سابقة. بدأ اللغويان مغسولا الدماغ بتطهير لغتهما من "الكلمات الأجنبية". فلنطهرها! على الأخصّ من الاستشراق، ومن العثمانوية أيضاً، فلنطهرها من مفردات أولئك الذين غزوا وطننا الأم. وبهذه الطريقة، استهلا التطهير الأشمل في التاريخ العالمي. لماذا لا تُجرى تجربة جديدة في أوروبا؟ لا تزال ماريا تودوروفا على حق. فمع عودة ظهور الشرق والاستشراق كقيم دلالية لغوية مستقلة، تُركَت البلقان رهينةَ أوروبا المستعبدة، والمناهضة للحضارة، لـ"الأنا المتغيرة"، والجانب المظلم في تضاعيفها .

لم يكن من الممكن تصوّر العملية برمّتها. حتى العقل الأكثر جرأةً وجحوداً لا يستطيع ابتداعها. إنها واحد من تلك الأشياء التي لا تحدث إلا مرة في الحياة. بدا فعْل نوح، الذي حمل الكائنات على فلْكه، طفولياً وبسيطاً أمام فعْل تطهير اللغة من الكلمات الأجنبية. ذلك لأن نوحاً حملَ الحيوانات والبذار النجسة في سفينته.

كان يجب أن تكون لغةُ الباحثَين اللغويين من الدولة البلقانية الشيوعية السابقة مثل الثلج الأول في العالم: بِكْراً سليماً - بلا خطيئة - طاهراً - نقياً - تقياً - عفيفاً - غير متزوج ودون لغة أجنبية. أيجب أن تبدأ المبادرة بقانون؟ نعم! كان على لغتهم أن تعيد كل الكلمات التي استعارتها من لغات أُخرى على مرّ الأزمان. ابتداءً باليوم الأول من الخليقة... مروراً بنطق الكلمة الأولى... وانتهاءً باللقاء الأول مع غريب استحضر كلمته الأولى بلغتهم. هذا كل شيء! هل يمكن امرأً ما أن يتخيل أنه، لكي تتمّ هذه العملية، يجب بناء العديد من المختبرات ذات التقنية العالية، والتي، باستخدام آلاف المراجل وملايين الأنابيب، يجب أن تفرّق الكلمات الأصلية - الأُسّية عن الكلمات المستعارة، باستخدام الطريقة ذاتها كما تُفَرَّق السوائل عن الأبخرة؟

دعا العالمان الجميعَ إلى عملية التطهير هذه: البروليتاريين والمثقفين والمزارعين والرعاة والروّاد والشباب والأهل، بالإضافة إلى كبار السن. كان على كل شخص أن يسهم بشيء ما، باستثناء البحارة والبرجوازية السابقة، إذ يُشتبه في أنهم استوردوا كلمات خارجية أو أبقوها على قيد الحياة ضمن حنينهم إلى عالَم مضى دون رجعة. لقد جعلتهم رغبتهم المتوقدة في سلالة لغوية نقية وأمة نقية من مستخدميها يفقدون لغتهم الأم، إلى جانب الكلمات التي نجت من العديد من الفيضانات الثقافية. ويُعتقد أنهم بقوا من دون لغتهم، ثم حدث بعد ردح من الزمن أن أصبحت هذه الأمةُ بكماء.

يُعتقَد أن ذلك قد يكون تخريفاً قصصياً، كتبه شخص مجهول الاسم، لتعليم الناس المزيد عن الحب والكراهية. ولكن يُعتقد أيضاً في أثناء ذلك، أن مؤلفاً بلقانياً قد كتب هذه القِصّة.

في الجسد البلقاني المُشترك، لا تزال تعيش بسعادة أقلياتٌ من الكلمات الأجنبية، التي ترحّلتْ كالبدو في كلٍّ من المناطق اللغوية منذ أقدم أزمنة التواصل ما بين الثقافات، عندما انضفر الإدراك والإحساس والحاجة معاً؛ وهو شرط تحدد به جوليا كريستيفا كلّ هذه العوامل في كلمة واحدة: الخورة khôra.

وقد تغلغلت الكلمات المترحِّلة إلى جسم هذه اللغات، التي آوَتِ المتخفّين السلافيين والصرب والبلغاريين، وأيضاً اليونانيين واللاتين. كذلك آوَتِ الإليريين والأربريين والألبان، كما آوتْ قبل ذلك الفرس والعرب والأتراك والفينيسيين والطليان. لكن كلمة دوسمان dušman كانت دائمة الحضور.

ليس الأمر أنها لم تختفِ فحسب، بل احتفظت بالمعنى ذاته لدى الألبان وكذلك الصرب، ولدى سكان الجبل الأسود والمقدونيين والكرواتيين والبوشناق وسائر الذين قدِموا وغادروا كمترحّلين في هذه الأقاليم. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على استقلال البلقان عن تركيا، استمرت كلمة دوشمان dushman في الإبقاء على البلقانيين معاً تقريباً كما يجمعُ الخيطُ حباتِ السُّبحة معاً.

تساءلت صديقتي الصربية عما إذا كان لدينا Dušo مخبّأ في الألبانية أيضاً؟ يا للأسف! ترددت نغمة رنين في أذني. وبحثت لفترة طويلة على موقع يوتيوب إلى أن سمعتُ أخيراً صوت رجل إشقودري يغني: لحسن الحظ يا ’داش- أُوْ، نحن جيران/ عندما أشعر بالملل، آتي لأبقى برفقتكِ. طرفا حبل فوق هاوية في الجوار: Dušo - حبيبتي؛ Dušman - العدو.

هل يجب على البلقانيين كمرشحين للاتحاد الأوروبي أن يفهموا أن الجانب الخفيّ من شعار "متحدون ضمن التنوع" يعني أنهم يجب أن يكونوا متوحدين ليس في القيم الأوروبية فحسب، بل أيضاً في عداوتهم المزمنة، كما فُهم من قبلُ، على الرغم من أنه ليس صحيحاً حقاً؟ لكن مابا موندي (الخريطة الأوروبية القروسطية للعالم/م) - حفاضات العالم، التي لم تخذلنا قَطّ، عندما يتعلق الأمر بتوفير العداء، ستساعدنا مرة أخرى!

بالخريطة، يمكننا أن نكسو أجسادنا. بل يمكننا أن نرتدي خريطة كي نسترَ عريَنا. أأنت متأكد أن للبلقانيين جسداً يخصهم؟ نعم، لديهم ذلك، لكنهم لا يهتمون لأمره كثيراً، لأنهم ملوك بجسدين اثنين - كإعادة صياغة لعبارة إرنست كانتوروفيتش.

غير أن هذا لا يعني الحطّ من قيمة الجسد المادي للبلقان. أبداً لا يعني ذلك! وهذا يرجع إلى حقيقة أن للجسد السياسي في البلقان مكانة تفوق مكانة الجسد المادي. وعلى النقيض من الخريطة السياسية، يجب أن يبقى الجسد السياسي معافىً، وكأنه الحامي لـ"أساطير الدولة" والمضاعِف لـ"اللاهوت السياسي" كما وصفه جورجيو أغامبين في كتابه Homo Sacer.


مخترعو مذهب المتعة المكسوون بمشيمة العداء

لقد أحببت الخرائط منذ طفولتي المبكرة. في ذلك الحين، لم أكن أعلم شيئاً عن القراءة، لكنني كنت أعرف ما يكفي - كنت أعرف النطق. مَن يعبأ بذلك! كنت مستمعاً جيداً. كانت أمي تقرأ وتُنشد لي الشِّعر. لقد تعلمت أول الأشياء عن العالم بطريقة لائقة. كما هو الحال في الأوقات الطيبة الماضية - بطريقة شفاهية.

وكما أتذكر، إن كنت أتذكره كما يجب، كان من الكتب الأولى التي قرأتها لي أمي جزيرة الكنز لروبرت لويس ستيفنسون. تضمنت الرواية خريطة، وكلَّ الأشياء الأخرى التي يريدها صبي صغير: القراصنة والنقود الذهبية والسفن والمعارك والأمواج. ولاحقاً، في وقت متأخر جداً، سمعت شيئاً غريباً عن مترجم هذا الكتاب. فبعد الغزو الفاشي لألبانيا، هاجر إلى إنكلترا، وهناك عمل صحافياً لإذاعة لندن. وقد أُبقيَ اسمه طيّ الكتمان في المرحلة الشيوعية، بينما يتحدث من إذاعة "العدو" لهذا النظام. وبسبب إذاعة لندن، لم يُكشَف عن اسم المترجم الحقيقي على أيّ طبعة من "جزيرة الكنز".

وفيما بعد، سُرقَ عمله ونشر تحت اسم مترجم آخر - ليست هذه واقعة نادرة في ألبانيا في تلك الفترة، فالبلد الذي يتجاهل وينتهك حقوق الإنسان الرئيسية، ينظر إلى حقوق التأليف والنشر على أنها مسألة ترَف، بالتأكيد.

لقد فقد حقوق ترجمته، لكنه فاز بجميع الأطفال الذين كبروا ليس بالخريطة فحسب، بل بـ’كنز‘ الكتاب العظيم، الذي علمهم معنى الصراع بين الخير والشر في الأدب وما وراءه، ولكن ليس الخير والشر في الحياة الواقعية وفي الوقت الراهن. كنت أؤمن دائماً بأنني، بتلك الخريطة، أستطيع الوصول حتى نهاية العالم: في الطقس المشمس اللطيف كما في الرديء والعاصف.

ولكن، بخلاف الأدب، عندما تسافر في البلقان، تحتاج إلى التكيّف مع الطقس والاستعداد لأي طارئ. قد تظن أنه الصيف، ولكنك لن تخسر شيئاً إذا وضعت بلوزة صوفية أو سترة في حقيبة السفر. لأن ما يحدث في مناطق أخرى قد يكون مجرد عاصفة رعدية، لكن في البلقان قد لا يكون إطلاقُ النار بهدف التحذير أو بدء ماراثون، بل بداية حرب عالمية.

لهذا، يجب الانتباه ليس للبرامج الروتينية فحسب، ولكن أيضاً لنشرات الأخبار: لتوقعات الطقس في نهاية تلك النشرات.

الومضة الأولى في ذهني: - ماذا لو أُلغيت رحلتي إلى تيرانا بسبب الأمطار الغزيرة؟ ولكي أزيلَ شكوكي، التقطتُ جهاز التحكم عن بُعد وبدأتُ أبحث عن أي محطة تبث توقعات الطقس.

لم أكن بحاجة إلى معرفة اللغة، كانت إشارات السهام على الجبهات الجوية كافية. السهام على الخريطة تهدد، لأنها لم تكن تتعلق بالمناخ، بل بالقتال الذي نشب على أراضي الدول المجاورة.

رقم 1 على جهاز التحكم عن بعد: BHT 1 - سراييفو. رقم 2: Vojvodina-ВЕСТИ Novi Sad. ثم ليوبجانا. سكوبي. بودغوريتسا. الأفلام الإباحية +18. برنامج عن المنتجات الحيوية، وهو مرتفع السعر بالنسبة إلى مواطني المنطقة الأوروبية الفقيرة. حوار سياسي. أواني المطبخ والمجوهرات للبيع على الإنترنت. Eurolloto على الشاشة. برنامج طهو من دون ثوم وبصل، ما يسمح للناس بتبادل القبلات دون أي إحراج من نفث الرائحة الكريهة والتجشؤ الغريب الناجم عن التخمة البلقانية. كان هناك كل شيء، ولكن ليس ما كنتُ أريد.

وفجأةً ظهرت على الشاشة أغنية راقصة، وقد سمعت الدافع وراءها أيضاً عندما سافرت من إشقودرة إلى الجبل الأسود. "Ajde Jano, ‘ajde dušo, kolo da ‎igramo هيا يا جانو، تعالي يا حبيبتي، ولنرقص الـ كولو". كان إيقاعاً موسيقياً هادئاً بقيَ، منذ أن بدأ البلقانُ القتال بخطى عسكرية متسارعة، من دون انتماء عرقيّ.

و’جانا‘ المجهولة في الأغنية مدعوّة إلى المشاركة في الفرح، كي تجنّ، وترقص مع صديقها، لتبيع الحصان والبيت، فقط كي لا تضطر إلى المغادرة في حمأة الرقص. ولكن مَن تسوِّل له نفسه أن يُجَنّ بالحب؟

حتى الصرب بمرثيتهم، والألبان بتعدد أصواتهم الجنوبية، التي كان وعْدُها أن "سآخذ المنشار/ سأقطع سروتي/ سأراك الجمال بعينه/ عندما أجمع الورود،/ آهٍ، يا للحب،" - حتى هؤلاء لم يجنّوا بعد ذلك.

كان الوقت الذي لم يمسك فيه الناس السلاح بل المنشار، لقطع السرو، ما منع العاشق من رؤية الجارة الجميلة في البيت الأمامي، كان زمناً شعرياً في عرف ذلك الزمن.

لذلك، لا يبيع العشاق الصرب الحصان، ولا يبيعون البيت. ولذلك لم يقتنِ العاشق الألباني المنشار. من مبتكِري المتعة والكوميديا، تحوّل البلقان إلى مشيمة مغذية للعداوة. والقلة تتذكر ذلك. فمتى بدأ العداء بين الجيران في البلقان؟

تذكرُ الصحف والشاشات والسياسيون أن مئات السنين من الحروب والكراهية التي جاءت من الأزمنة التي فيها "وُلدنا من ضغينة أحدنا تجاه الآخر/ وما بيننا سماء وأرض!".

ولذلك تشكل الانطباع بأن شخصاً ما بالكاد يتوقع أن يضفي معنىً شوفينياً على البطل الثقافي ماركو كراليفيتش، الذي قام، بالنيابة عن السلطان، واعتماداً على قدره الخاص والسكين المخفية في الحزام، بقتل الجندي الألباني ذي القلوب الثلاثة أو الثعابين الثلاثة في الصدر، كما ورَدَ بوضوح في ملحمة Vuk Karadžić، التي تتضمن أيضاً سطر الندامة الشعريّ هذا: "إلهيَ الرحمن الرحيم! قد قتلتُ شخصاً أجدرَ منّي".

وفي كل مرة تسمعُ فيها خطابات أو أنباء عن الزواج بين الأعراق في البلقان، سيبدو لك أن شخصاً ما يذكرك بزوجة مارك كراليفيتش، التي تشكو لزوجها أنه لم "يجلب ألبانياً فتيّاً على قيد الحياة"، ليجعل منه "حاضناً لأطفالنا" بحسب ملحمة "أغنية Gjergj Elez Alia أنشودة جيرج إليز عليا".


دولة مرهونة بأحوال المناخ وغير ممثلة على الخريطة

وأخيراً، عندما بدأت المحطة التي تبث Ajde Jano النشرة الأخبارية، رأيت الشعار الذي انتظرتُه طويلاً: RTRS TV-Televizija لجمهورية صربيا.

بدأ رجل في الخمسينيات من عمره، وقد ملأ الشاشة بجسده، بشرح خرائط الطقس الشاملة لدول البلقان. هل أنا حقاً بحاجة إلى شرحه؟ لم أفكر في بوب ديلان، لكن هل يجب أن أصدق أن الريح كانت تهبّ من حيث كان يقول؟

لكن كان رجل الأرصاد الجوية يتمتع بمظهر رائع، مقارنةً بالمظهر البائس لأولئك الذين ترغمهم الحياة على تغيير مهنتهم في سن متقدمة، عندما لا يتوافر لدى المرء الوقت لإنجاز شيء فيستسلم لحالة من الهمود.

على الرغم من الإرهاق الواضح إلى حد كبير في وجهه، حاول أن يظهر نفسه كشخص قوي يكاد يقنعك بأنه لم يتحكم بالأرض وحدها، ولكن أيضاً بمناطق القوة في الضغط الجوي حيث كانت الرياح تتقدم، والبرق يظهر ثم يتلاشى، وتتبلور الثلوج والبَرَد والجليد، بينما يتحرك الضباب والغيوم المتكاثفة مثل ندف القطن.

بدا أن شيئاً غريباً يحدث أمام عيني في تلك اللحظة. لقد أزالت التيارات الهوائية التي غطت مساحة البلقان الحدودَ بين الدول. بدا أن الغيوم والأمطار تعيد تشكيل اتحاد الأرصاد الجوية ليوغوسلافيا السابقة.

الدول التي فصلتها الحرب في الخريطة الاتحادية، وقد خلفت العديد من الضحايا والقبور، بدتْ طيّعةً لعصا الرجل التي لاحقتْ تنقّل الكتل الهوائية كخبير استراتيجي يتعقّب التحركات العسكرية على الخرائط الطوبوغرافية.

- جبهة الكتل الهوائية تهبّ من الغرب... ماذا كانت هذه المفردة؟ من أي فترة من الزمان جاءتْ؟

بدا أن متنبئ الطقس يعطي الأمر لجيش الغيوم بشنّ الغارات، أو هبوب العاصفة، أو الهجوم المضاد لقطّاع الأمطار العاصفة على المنطقة الأشد اضطراباً في أوروبا.

لكن هذا لم يكن شيئاً يُذكر إذا قِيْسَ بالأمر الغريب الذي بدأ بعد ذلك. فمع انجلاء الغيم والأمطار والغيوم، بدأ المتنبئ بالطقس بقراءة درجات الحرارة. بلغراد 7 درجات مئوية. بودغوريتسا 10. سكوبيي 8. أثينا 13. صوفيا 12. بوخارست 11. أنقرة 20 درجة. بودابست 9. بعد هذه القراءة، أومأ برأسه على سبيل التحية وأنهى النشرة بقوله "Hvala… i laku noć! شكراً... أتمنى لكم ليلة سعيدة!" وهذا كل شيء.

فجأة اختفت بريشتينا من خريطة الطقس للتلفزيون الصربي. خمنتُ سبب اختفاء بريشتينا من خريطة الهطول المطريّ في منطقتنا: إنه عدم الاعتراف الرسمي باستقلال كوسوفو عن صربيا.

ما دام برنامج التنبؤات الجوية يُبثُّ على شاشة تلفزيون تمولها الدولة، فإن كوسوفو كانت، ويجب أن تبقى صربيا، ليس في المنشورات السياسية فحسب، بل أيضاً في التنبؤات الجوية.

لا يمكن أن تكون كوسوفو دولة مستقلة مناخياً. كان المناخ والطقس حكراً على الدولة وجزءاً من المناخ السياسي. يجب أن تظل مقاطعة ذاتية الحكم على خريطة الهطول المطريّ في صربيا.

لماذا يجب أن تفصل ما بين أولئك الذين كانوا وسيبقون معاً أبداً في الأرض المقدسة، كما جهرَ بذلك المتنافسون في ساحات التجمعات الانتخابية والجماهيرُ على مدرجات الملاعب؟! كان هذا إبادة جماعية. كان هذا انتقامَ أرصادٍ جوية في القرن الحادي والعشرين.

ولدى رؤيتي كيف تلاشت دولة مستقلة بسهولة من خريطة الأرصاد الجوية، بدأت في البحث عن المبدأ نفسه في قنوات التلفزيون الأخرى أيضاً. ليوبليانا. زغرب. بلغراد. سراييفو. اسكوبية. لم تتلاشَ تلك المدن. لا تزال هناك مساحة على خريطة الهطول المطري. ولكن عندما كان يجب أن تتوقف عصا المتنبئ الجوي فوق تيرانا، يحدث ما لا يمكن تصديقه.

تناستِ العصا مدينةَ تيرانا، تحوّلت عنها واستقرت فوق أثينا. ماذا سيكون حظّ العاصمة الألبانية والمليون من سكانها، الذين تُركوا غير ممَثَّلين على الخريطة وخارجَ تحولات المناخ؟

هل سيدخلون الطيّةَ المعتمة في سترة المتنبئ بالطقس، مثل اليهود في المخيمات، مثل المهاجرين الأفارقة اليوم في أوروبا، كي يتخلصوا من خريطة الطقس أولاً ثم من خريطة الجغرافيا البشرية التي تختصّ بالأعراق والشعوب؟

والآن نعم، الآن يمكنك الاستمتاع بخريطة بدون ألبانيين، نقيّة وحسنة التطهير مناخياً. صحيح أن لا أحد يستطيع اليوم إقصاءك عن الخريطة السياسية، لكن إزالتك من خريطة الطقس ليست مشكلة كبيرة. ويمكن أيَّ مُحاوِر كئيب ومحبَط وفاقد الشهية على شاشات البلقان أن يخرجك بسهولة من خريطة التنمية الشاملة.

ومع اعتياد الجمهور للتهجير والقتل والمدافن الهائلة، لن يلحظَ تغيُّراً طفيفاً مثل استبعاد الشعوب من خرائط الهطول المطَريّ. لن يأخذوا الأمر على أنه مرتبط بالتهديدات أو العدوان أو الابتزاز أو الترهيب. وفي النهاية، ما الذي سيحدث؟ لا شيء مهم! لا يعدو الأمر أن عاصمة قد مُسحتْ عن خريطة المناخ!

إنها مهزلة. لم يعد البلقان أولئك البرابرة الذين يغنّون عن أكل الكبد النيئة وتغيير الحدود كما كانوا يغيِّرون باب القش في الحديقة.

لم يكن الترحيل من الخرائط المناخية، الذي حلَّ محلَّ الترحيل الفعليّ في الماضي، إشارةً طيبة بالنسبة إلى إنسان البلقان الملحميّ. هل دُجِّنوا في نهاية المطاف؟ أهمْ في طور التحول إلى أوروبيين؟ أكانوا يطبِّقون صيَغاً راقية من التهديد والانتقام؟

أين ذهب الخطف والمذابح وسفك الدماء والاقتلاع؟ لمن سنغني الأغنية؟ لمن سنُقيم تمثالاً مصنوعاً من معدن أوعية المطبخ؟ كيف سنواجه أحفادنا، عندما يكون الشيء الوحيد الذي يمكننا القيام به تجاه الإبادة والتوسّع بها هو المحو من خريطة المناخ؟

فليتوقف الكلام! البلقان يخربون اليوم مآثر أسلافهم. هل أصبحوا ضعفاء لدرجة أنهم يشْكون ويذرفون الدموع على طريقة البنات الصغيرات لأن أحداً ما قد هدد وجودهم بإزالتهم من خريطة التنبؤات الجوية اليوم وغداً وفي الأيام القليلة القادمة؟

ولكن في البلقان، كل شيء يبدأ صغيراً، مثل البرق الوحيد في السماء، مثل الاغتيال في سراييفو، في ميتروفيتسا المقسمة أو على الجسر فوق نهر فاردار. ثم مَن ظنَّ أن مقتل الدبلوماسي الألماني على يد يهودي بولندي يعيش في باريس، في فترة ما من تشرين الثاني 1938، أو ليلة بللور Kristallnacht واحدة من السلب والنهب، ستكون بداية محرقة صامتة أنذرتْ بمنتهى الأناقة بألا تُهمَلَ الجثثُ، بل أن يكون مصيرُها الغبار والدّخان؟


شوفينية الأرصاد الجوية: اقتل ذلك النسر Töte den adler!

كلّ ما استطعت فعله لتبديد الوقت قبل مغادرتي إلى المطار، هو النظر في خرائط الكمبيوتر الوهمية التي تخص الدول المفقودة، حيث تمكن قراءة هذه الكلمات "اقتل ذلك النسر!"، "Töte den adler!"

كانت رسومات/ خرائط مجازية دقيقة رسمها بول هادول، وفريد و. روز، ورسّامو كاريكاتير آخرون، تُصوَّر القوى الأوروبية والجيران البلقان كدببة، ووُشِقٍ، وقرود، وسيربيروس برأسين، وقطط، وخفافيش، وأرانب، وغربان، وبوم وأخطبوطات. المنطقة الأوروبية European Zone تصبح: حديقة الحيوان الأوروبية European Zoo.

تلك كانت نظرة ذلك الزمن إلى الآخَر الأوروبي وجيراننا. حيوان استُخلِصَ رغماً عنه من قائمة كائنات تصوُّريّة. ليس في حكاياتنا الخرافية فحسب، ولكن أيضاً في الفن الواقعية الاشتراكية.

لقد صُوِّرَ الآخر بالطريقة نفسها: ذئب أسود، وثعلب ماكر، وشيطان بقرنين، وثعبان بسبعة ألسنة. هل هذه هي نظرة الجيران البلقان إلى الألبان؟ ما الحيوانات الرمزية التي خُصصتْ لنا في حكاياتهم وقصائدهم ورسومهم الكرتونية؟ الغراب؟ العقعق؟ الوشق أم الذئب بدون ذيل؟

وفي ما يتعلق بمحو الآخر من خريطة الأرصاد الجوية لأسباب شوفينية، حرصتُ بعد عودتي إلى تيرانا على التحقق مما إذا كان الجيران يعامَلون بالطريقة نفسها في برامج التنبؤات الجوية الألبانية على شاشاتنا الوطنية.

هل كانت هناك أيضاً حالات انتقامٍ من طريق الأرصاد الجوية، حيث يختبئ الآخر (الخاصّ بنا) خلف الخرائط وينصب الفخاخ وفقاً لرموز الأرصاد الجوية كي يبدأ الإبادة، ليس كما لو كان يتعامل مع الطقس، بل مع استراتيجيات واضحة للتطهير العرقي؟

لسوء الحظ، برزت الظاهرة نفسها على العديد من الشاشات الوطنية الألبانية أيضاً. هناك دائماً أحدٌ ما مفقود على الخريطة. لا حاجة لأن تكون خريطة سياسية بحدود معيَّنة مُصدَّقٍ عليها بموجب الاتفاقيات الدولية.

ولممارسة التطهير العرقي، يمكن شعبَ البلقان أيضاً إنشاء خريطة بسيطة للتنبؤ بالطقس. فعلى خريطة شبكات التلفزة الألبانية، تغيب أثينا أحياناً، وأحياناً بلغراد، وأحياناً أخرى سكوبية. وذلك ليس نادر الحدوث. فالتطهير، في ذاكرة الجمهور بأعينه المعلّقة في الشاشة، يحدث كلَّ ساعة. وعندما يُبَثُّ برنامج توقعات الطقس، يُهمَلُ ذكر أثينا أحياناً، وأحياناً بلغراد وأحياناً أخرى سكوبية.

إن جمهور التلفزيون البلقاني - هؤلاء الطلاب الذين يتعلمون تاريخ الكراهية من خلال التجمعات الانتخابية والجغرافيا القومية، كما من برنامج الرياضة ومن توقعات الطقس على الشاشة - يمتلك بالفعل السلاح السري لإبادة الجار. المسألةُ لا تستغرق طويلاً. كأيّ عملية جراحية يسبقها تخدير موضعيّ.

الجيران البلقان! ها هم! بالمجان! انتبه إلى الطرق العصرية في إبادة الجار. بضع دقائق في اليوم، قطرة إثر قطرة، كالطعام مع الحليب الأسود لبول سيلان: "في ذكرى شعرك الذهبي يا مارغريت"، الذي أصبح "رمادياً، مثل شعرك يا شولميث".

ومع ذلك، أعرف أن قسوة البلقانيين لم تكن بشعة على الإطلاق، إذ لا يستطيعون صنع أكوام من النساء حليقات الرؤوس ومن الشعر المتيبّس ممّنْ قضينَ خنقاً في غرف الغاز. هل تتذكرون دبابيس الشعر ومشابكه في شعرهم؟ هل تتذكرون أيضاً الضفائر بشرائطها التي فكَّ الصبيان المشاكسون عقدتها في المدرسة، كما كتب تاديوش روجيفيتش في قصيدته. بالتأكيد لا! كتب البلقان أيضاً وقدّموا على مسارحهم التراجيديات المروعة، لكنهم كانوا أقل موهبة من أن ينتجوا مثل هذه التحفة الأكثر واقعية على الإطلاق.

بالنسبة إلى البلقانيين، يوصى بأن يؤخذَ علاجُ إبادة الآخر من طريق الوسائل الرقمية دون انقطاع على مدار اليوم. تؤخذ من العين. بالتركيز المكثف على الشاشة. ليس هناك من آثار جانبية. يؤخذ دون وصفة طبية ودون الحاجة إلى زيارة طبيب العائلة. لا تخشَ من الجرعة الزائدة. لقد قسمنا العلاج إلى جرعات صغيرة وغير مؤذية من الكراهية.

في تلك اللحظة، ظهر على الشاشة بعض كبار المسؤولين في دول البلقان، وصافح كلٌّ الآخرَ بابتسامات جامدة وحماسة مفتعَلة تجاه المبادرة الأوروبية، مكررين الشعارات المتعلقة بتطبيع العلاقات مع الجوار والتغلب على العداء المستمر منذ قرون.

كيف نشعر؟ هل نحن متحدون في تنوعنا؟ هل نحن في تشكيلة منسجمة ضمن دول البلقان؟ ماذا أضيفُ أكثر من ذلك؟ الشعار الأوروبي يُراعى كلياً في البلقان. خاصة في المقابر الجماعية حيث يتمدد البلقانيون القتلى في تشكيلة منسجمة بجوار بعضهم لبعض، دون إبداء أهواءٍ خصوصية في عادات الطبخ، دون أعراف ثقافية، ودون انقسامات عرقية وجندرية ودينية.

في تشكيلة منسجمة، هناك أيضاً الرجل البلقاني الذي يجادل حول من سيدفع: ليس ثمن القهوة، بل كل ما استُهلك على تلك الطاولة. هل لدي وجهة نظر رومانسية أكلَ عليها الدهر وشرب، إذا لاحظت أن الرجل البلقاني لا يزال هو الآخر في تشكيلة منسجمة عندما يدعو الشخص المجهول إلى الشرب معه من الكأس نفسها، أو لغناء أغانٍ بلقانية حزينة أو مجنونة؟ كيف يكون البلقاني مذنباً لأنه عاجز عن أن يكون أوروبياً نموذجياً؟

أتذكر أشكال الدعاية الخفية، ولكن المتواصلة، من مقولات الإبادة الجماعية، وهي، بالإضافة إلى الشعبوية والعسكرتارية والسلطوية والأوتوقراطية، تتنامى في البلقان ويتردد ظهورُها على مختلف الشاشات.

يذكرني ذلك بصورة تعود إلى فترة العزلة الشيوعية، يظهر فيها شخصان مجهولان، لكنهما شبيهان بأهلنا، ولوقاية نفسيهما من شمس الشواطئ الألبانية الحارقة على البحر الأدرياتيكي، لم يفيئا إلى مظلة، بل إلى لوحة إعلانية.

على لوحة صفيح تشبه لوحة الإعلانات أو شاشة من الصفيح، كُتبَ شعار بالأحرف الكبيرة، من دون نقطة أو فاصلة، بل بألوان وطنية حمراء وسوداء. واليوم تقول الرسالة نفسها: "تهدفُ التلفزة البرجوازية والتحريفية إلى بثّ الفرقة في صفوف الجماهير!".

يبدو أن هذين الشخصين المسكينين، وأيضاً الآخرين الذين وجدوا ملاذاً وراء صفيح اللوحات الإعلانية، يعتقدون أن (التّنّكَ) سيحميهم من الطاقة الإشعاعية لتلفزيونات الجيران المعادية.

من حيث الجوهر، بقي شيء ما كما هو: تُحوَّل شاشة الشعارات الفقيرة (التنكيّة) ببساطة إلى شاشة ترويج ضعيف عالية الدقة. لقد بقيت الشعارات بمثابة الإلهام لهم. لن يخاطبوا الطبقة العاملة بعد الآن، بل مستخدمي ’حرية الشراء‘.

هل يشعرون حقاً بانمساخهم؟ هل يعرف المستخدمون أنهم يُمسخون إلى مستهلكين سعداء للشعارات؟ هل يفهمون أن شعلة الروح الناقدة قد أُخمدتْ، والتي من خلالها ولدت المثالية الأخلاقية، أو الأسوأ، الأخلاقية الانعزالية بالفعل، كما يذكرنا جان بودريار.

’لسانك حصانُك‘، فالشاشات التي تحتوي على خرائط الجيران للمدن المخفية معلقة على جدران منازلنا ومكاتبنا ومقاهينا، كخرائط في الصفوف الدراسية حيث كنا نتلقى دروس الجغرافيا.

تحرص إمبراطورية الشاشات على عدم خلق فراغ. لكلٍّ خريطته الخاصة. ويمكن كلَّ شخص اصطحاب خريطته على هاتفه الخلوي، بل يمكنه حتى نشرَها بلمسة من السبابة متعددة الوظائف (السبابة نفسها كإصبع الشروع باعتداء).

ذات يوم ستتقنُ إمبراطورية الشاشات فنَّ رسم الخرائط لدرجة أن الأذهان المجترة لن تستطيع التقاط "الاختلاف الجذريّ بين الواقع والتمثيل"، كما يحذرنا خورخي لويس بورخيس. ليحلّ في ذاكراتنا شكل واحد فقط من الخرائط: خريطة بلا جيران، خريطة بأسهم وألوان تشبه خرائط العمليات القتالية.

لا عجب في أن تنمسخ حياتنا إلى مجرد "حدث تلفزيوني" - في برنامج منوعات أو مباراة رياضية أو شارةٍ تمثّلنا على الخريطة - والشكر موصولٌ للشاشاتِ وأريحيةِ الصحافيين والقوى التي تقف وراءهم، كما كانت تخشى ماريا تودوروفا.

في مثل هذا التعجُّل، ومع هذا الجوع للإعلانات والأخبار، لن يلاحظ أحدٌ ذلك الأمر، وسيكونون أقليةً أولئك الذين سيشعرون، لدى تغييب أبناء ألبانيا وصربيا والجبل الأسود وسلوفينيا ومقدونيا والبوسنة وكوسوفو واليونان وكرواتيا، بأن سائر ثقافاتهم ولغاتهم "الصغيرة" و"الثانوية" قد أُبيدتْ من خلال جرائم القتل الافتراضية التي وقعت في وقت لا يتجاوز الدقائق الخمس على خريطة الأرصاد الجوية.

بعد ذلك، كل شيء قابل لأن يتوافق مع الحلم، الذي تحدث عنه فالتر بنيامين في كتابه اليوميات في 6 آذار 1938، فقد وجد نفسه أمام خريطة ذات مشهد قاتم ومريع، في أرض يبابٍ وعرةٍ وسطَ متاهةِ الكابوس الذي يعيشه.

لم تكن الأرضُ اليباب آيلةً إلى التلاشي. بقيتْ حاضرة حتى بعد استيقاظ الفيلسوف. لقد كانت النذير بالغَ الدقةِ للغياب، كما قال جاك دِريدا. وفي داخل الخريطة هناك أيضاً جاريَ، الذي أمحوه من خريطة الأرصاد الجوية في الوقت الحالي، والذي ستفتقده ذاكرتي إلى الأبد. فما الذي أستطيع أن أملأ به خوائي الناتج من محوِ الآخرِ - الجار؟


* Arian Leka شاعر وروائي ألباني من مواليد 1966. ينتمي إلى جماعة من الكتّاب والشعراء الذين ظهروا في المشهد الأدبي بعد فتح الحدود الألبانية عام 1990، حيث شهدت الثقافة تغيّراً دراماتيكاً. بدأ ليكا عازفاً على آلة الفلوت بينما كان يكمل دراساته في الأدب الأوروبي، وكان أول كتبه مجموعة قصصية بعنوان "في هذا البلد الهادئ حيث لا شيء يحدث" (1994). انتقل ليكا بعدها إلى كتابة الشعر، فنشر مجموعته الشعرية "قارب النعاس" (2000)، والتي أتبعها بمجموعة كتب، من بينها: رواية "ثعبان المنزل" (2002)، ومجموعة شعرية بعنوان "تصحيحات" التي صدرت عام 2010. يميل ليكا إلى نسج كينونة أسطورية حول بلاده، لكن بلغة جديدة تبدو كما لو أنها واقع يعاش يومياً. وهو يعتبر اليوم من أبرز كتّاب بلده.

** ترجمة: أحمد م. أحمد

مشاركة الخبر: إزالة الآخر من خريطة الطقس: مقابسات بلقانية على وسائل التواصل