من يحسم الصراع على ليبيا؟

من يحسم الصراع على ليبيا؟
من يحسم الصراع على ليبيا؟
على الرغم من هيمنة جائحة كورونا على أجندة السياسات الدولية والإقليمية، وانكفاء/ تراجع السياسات الخارجية لدول كثيرة، بسبب انشغالها بشؤونها الداخلية، ومخاوفها من احتمال انتشار موجة ثانية من الفيروس، فإن التطورات أخيرا في المشهد الليبي تعكس انخراطاً كثيفاً من تركيا وروسيا وأميركا، بهدف إعادة ترتيب معادلات القوة والنفوذ، في ليبيا والبحر الأبيض المتوسط، ما يُنذر بمستوى أعلى من التعقيد واشتداد الصراع، في المدى المنظور، في هذا البلد الغني بثرواته من النفط والغاز وإطلالته الشاسعة على المتوسط، الأمر الذي يؤثّر في توازنات الأمن الأوروبي.  ثمّة ثلاثة متغيرات مهمّة، تؤثر على مآلات الصراع الخارجي على "الكعكة الليبية"، وإمكانية دخوله مرحلة التسوية السياسية، بدل الصراع العسكري الجاري حالياً. أولها توسيع نطاق التفاهمات بين روسيا وتركيا (في كلٍّ من ليبيا وسورية)، مع احتمال تقاسم أوضح للنفوذ، ضمن معادلة "تنافسية"، تشوبها "توترات محدودة/محكومة"، لكنها تخدم توسيع التحركات الدبلوماسية للبلدين، بالتزامن مع المراقبة الحثيثة للتطورات الميدانية. بعبارة أخرى، تبقى العلاقات الروسية التركية قابلةً للتطور، مع محاولاتٍ إيرانيةٍ لتوظيفها في القضايا التي تهمّها (مثل ملف سورية، خصوصاً بعد بدء تنفيذ "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، والضغط لزيادة التأثير الإيراني في اليمن عبر تصعيد الحوثيين المتكرّر، لاستنزاف السعودية، ودفعها إلى وقف الحرب، والملف النووي وإمكانية التضييق على طهران عبر إعادته إلى مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي تعهّد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بعدم السماح به، بعد زيارة وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، موسكو في 16 يونيو/ حزيران الجاري، بعد أن زار أنقرة أيضاً، وتباحث مع نظيره التركي، مولود جاووش أوغلو، في بعض هذه الملفات).
يتعلق المتغير الثاني بالتهميش "النسبي" لأغلب الأدوار الأوروبية، ربما باستثناء الدور الألماني  الذي يوسّع هامش حركته الدبلوماسية، مستفيداً من عدة عوامل ذاتية وموضوعية، بدايةً من قيادة المستشارة أنجيلا ميركل، مروراً بـ"التراجعات الهيكلية" في السياسات الأوروبية التي بات بعضها يكتفي بالتحذير من "تكرار السيناريو السوري في ليبيا"، وليس انتهاءً بتميز المقاربة الألمانية، في معالجة تداعيات جائحة كورونا، مقارنةً بدول أخرى. وعلى الرغم من تصاعد التنافس بين فرنسا وتركيا إجمالاً، وارتفاع نبرة الاتهامات المتبادلة بينهما حول الطرف المسؤول عن تأجيج الصراع في ليبيا، وطبيعة الدور المطلوب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) هناك، فذلك لا يغير من حقيقة عزلة موقف باريس في ليبيا، بعد توالي هزائم حليفها، اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
يتعلق المتغير الثالث باحتمال عودة واشنطن إلى "تحريك" دور الأمم المتحدة في ليبيا، خصوصاً بعد اكتشاف المقابر الجماعية في ترهونة، على الرغم من استمرار شغور منصب المبعوث الأممي، بعد استقالة غسان سلامة، مارس/ آذار الماضي. ومن المتوقع أن تتحرّك الدبلوماسية الأميركية في إطار استعادة زخم مسار مؤتمر برلين، وإطلاق الجولة الثالثة من محادثات اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5). ويبدو أن قلق واشنطن من تحرّكات موسكو يتصاعد. وليس بلا معنى تصريح قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال ستيفن تاونسند، أواخر الشهر الماضي (مايو/ أيار) أن روسيا تسعى إلى قلب الميزان لصالحها في ليبيا، كما فعلت في سورية. وغير بعيد من ذلك تصريح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، جوناثان هوفمان، أن الطائرات المقاتلة التي أرسلتها روسيا لدعم حفتر، تمركزت في قاعدة الجفرة وسط ليبيا، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من "سوخوي  24" و"ميغ 29". واستناداً إلى مؤشرات أخرى، قد تلعب أميركا، في الأسابيع والشهور المقبلة، دوراً أكثر حيوية، لاستعادة المسار السياسي في ليبيا، خصوصاً مسألة التهدئة/ وقف إطلاق النار.
ولا شك في أن واشنطن تريد قطع الطريق أمام الروس، الساعين إلى تأسيس حضور عسكري دائم في جنوب المتوسط، عبر التمركز في ليبيا. كما يبدو أن إدارة ترامب لا تؤيد دوراً مصرياً أكبر في ليبيا، كما يتضح من تعليق مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر، على "إعلان القاهرة" 6 يونيو/ حزيران، والذي صدر بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكل من اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح؛ إذ صرح شينكر إن بلاده تعتبر أن العملية الأممية ومنصة برلين تشكّلان إطاراً أكثر فعاليةً (من المبادرة المصرية)، لإطلاق المفاوضات وتحقيق تقدم في مسألة وقف إطلاق النار.
في المقابل، يبدو أن أنقرة نجحت في استمالة موقف واشنطن، خصوصاً بعد اتصال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس الأميركي ترامب، وتصريحات وزير الخارجية التركي التي طالب فيها الولايات المتحدة وحلف الناتو بلعب دور نشيط في تحقيق الاستقرار بليبيا، كما نقل موقع "بلومبيرغ" في 11 يونيو/ حزيران الحالي. وعبر "التوازن" في علاقتها مع الطرفين، الأميركي والروسي، تضمن أنقرة "تفوقها" على كل منافسيها على الصدارة الإقليمية، من إسرائيل إلى إيران، مروراً بمصر والسعودية.
ويؤكد هذا الدرس الليبي/ الإقليمي، حدود أدوار الدول الصغيرة، مثل الإمارات التي تواجه "تحرّكاتها" الإقليمية أزماتٍ كبيرة، سواء في ليبيا أم اليمن أم دول القرن الأفريقي، بسبب سعيها إلى التحكم في موانئ عديدة. وهذه محصلة طبيعية، تعكس افتقاد أبوظبي أية قدرات استراتيجية حقيقية لبناء النفوذ الإقليمي، باستثناء "المال السياسي"، لتوظيف أدواتٍ محلية/ مليشياوية، تعمل على التخريب، والفوضى، والانتقام، وإعاقة حل الصراعات، وإلحاق الأذى  بخصوم الإمارات، من دون "سياسة خارجية" متوازنة، فضلا عن أية "رؤية استراتيجية"، تطرح حلولاً ووساطاتٍ دبلوماسية.
وعلى الرغم من تصاعد الدور الإقليمي التركي، فإن ثمّة تحديات جمّة تنتظر أنقرة في المديين، المنظور والمتوسط؛ أولها تحولات النظام العالمي بعد جائحة كورونا، وتأثيرها على زيادة تعقيدات "المرحلة الانتقالية"، وتشابكاتها في العالم العربي، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ولئن كان صحيحاً أن الأدوار الإقليمية العربية تشهد تراجعاً ملحوظاً، فإن أدوار تركيا وإيران وإسرائيل ليست في "مأمنٍ" من النتيجة ذاتها، حتى لو جرى ذلك بنسبة أقل. وثانيها مشكلات السياسة التركية في اعتمادها على "كاريزما" الرئيس أردوغان، واتباع استراتيجية تقسيم الأحزاب المعارضة، وإضعاف فرص المنافسين (مثل البروفيسور أحمد داود أوغلو، مؤسس حزب المستقبل، والوزير السابق علي باباجان، مؤسس حزب الديمقراطية والتقدم)، مع محاولة حزب العدالة والتنمية (الحاكم) تقديم قروض ذات فائدة متدنية من بنوك الدولة، لتجاوز تداعيات كورونا على الطبقات المتوسطة، وخفض سعر الوقود، وإيجاد حلول لمشكلة انخفاض سعر الليرة مقابل الدولار الأميركي، فضلاً عن مشكلة توفير مصادر جديدة تكفي حاجة البلاد من الطاقة، بما يعزّز من القدرة التركية في الاستغناء عن روسيا وإيران.
ويتعلق التحدي الثالث بتعقيدات القضايا/ الأزمات العربية ذاتها، سواء في فلسطين أم مصر أم العراق أم سورية أم ليبيا أم اليمن.. إلخ، والتي قد تمنح تركيا فرصا مؤقتة مصحوبة بتحدّيات ومخاطر حقيقية، بحيث يستحيل حلّها بدون توفر طرف عربي، يستطيع تحمّل كلفة قيادة العرب نحو تعاون إقليمي ودولي، في إطار علاقة من "الندّية والتكافؤ"، وهو أمرٌ مستبعدٌ حالياً، ما لم تنجح الثورات العربية في إعادة تجديد نفسها، وطرح مشروعها للتغيير الاستراتيجي المستقبلي، الذي يعتمد على الطاقات الشبابية/ الشعبية.
باختصار، يجب التريث قليلاً، قبل افتراض قدرة أنقرة على حسم الصراع الخارجي على ليبيا حسماً نهائياً، فلربما يشتد الصراع الإقليمي والدولي على ليبيا، في انتظار اكتمال تبلور معادلات القوة الجديدة في "المسألة الليبية"، واتجاهات النفوذ في البحر المتوسط، خصوصاً مع استمرار أسس الصراع الداخلي الليبي، بين معسكري حكومة الوفاق والشرق الليبي. ولهذا، قد يدفع الشعب الليبي ثمن تحوّلات النظامين الدولي والإقليمي، في ظلّ انعكاسات جائحة كورونا، مثلما حدث، ولا يزال، في حالات عربية أخرى.

مشاركة الخبر: من يحسم الصراع على ليبيا؟ على وسائل التواصل من نيوز فور مي