وقفة مع بحري الرحّالي

وقفة مع بحري الرحّالي
وقفة مع بحري الرحّالي

تقف هذه الزاوية مع مبدع عربي في أسئلة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه. "لا أدري هل من الجيّد أن نكون متفائلين بتغيير إلى الأحسن"، يقول الممثل والكاتب المسرحي التونسي في حديثه إلى "العربي الجديد".


■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟
أستمتع بالتحرّر من الحَجر الصحّي بالتنقل بين المدن والبلدات التونسية والخروج إلى الطبيعة التي حُرمنا منها لفترة طويلة. بات الابتعاد عن البيت له طعم جديد، خاصة بعد فترة من الشعور بالضغط والتعب والتخوّفات. قضّيتُ الكثير من الوقت وأنا أتأمّل وأتساءل حول مصير الطموحات الكبرى التي تحرّك مسيرة كل فنان، وهي طموحات لا يكاد بعضها يتحقّق حتى تتوالد طموحات جديدة. فترة الحجر الصحي أعادتني أيضاً إلى مسوّداتي القديمة وإلى أعمال لم أنجزها بعدُ. أخيراً، استمتعت خلال الحجر الصحّي بكتابة مسرحية جديدة.


■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟
آخر الأعمال التي شاركتُ فيها كان مسلسل "النوبة" في جزئه الثاني وقد عُرض في رمضان الماضي. في السينما، كان آخر عمل مثّلت فيه بعنوان "دشرة" (2019)، كما شاركت في فيلم من إخراج سامي التليلي لم يُعرض بعد.

أما مسرحياً، فآخر مشاركاتي كانت في عمل بعنوان "الشقف"، من إخراج سيرين قنون ومجدي أبو مطر، كما شاركت في عمل بعنوان "نوارة الملح" مع "مسرح الحمراء". ضمن هذه التجارب الأخيرة، أعتقد أن مسلسل "النوبة" تجربة مهمة للغاية، فقد فتحت لي آفاقاً ورؤى فنية جديدة بعد سنوات طويلة من مقاطعتي للأعمال التلفزيونية، تقريباً لعشر سنوات، وذلك بسبب حالة من الإحباط أصابتني إثر ثلاثة أعمال شاركت فيها. لم يُعدني إلى الدراما إلا المشروع الذي طرحه المخرج عبد الحميد بوشناق.


■ هل أنت راض عن إنتاجاتك ولماذا؟
الرضا نسبيّ، فما كنت أرضى عنه سابقاً لم يعد مُرضياً بمعايير اليوم. حالياً، أرى أن أكثر ما يُسعدني هو أن أنجح في خلق شبكة من الممثلين الجدد. أعتقد أن النجاح لا يكون فقط على مستوى الإنتاجات والظهور، وإنما أيضاً بالمساهمة في تطوير بيئة متكاملة تحتضن الفعل الفنّي، أحبّ أن يتحوّل المسرح إلى عدوى يمارسها جيل جديد، وسعادتي هي تدريب هؤلاء وتكوينهم.


■ لو قيّض لك البدء من جديد أي مسار كنت ستختار؟
لا أعتقد أنني سأفكّر في تغيير مساري. ألاحظ اليوم تعلق الشباب بالجمعيات الرياضية، وحين أذكر بداياتي أجدني متعلّقاً بالفرقة المسرحية في مدينة الكاف مثل تعلقهم بفرقهم. كانت الفرقة المسرحية بالنسبة لي أسرة أنتمي إلى عالمها، أدّخر المال لمتابعة عروضها وجولاتها في تونس العاصمة، ثم أصبحَتْ بالنسبة لي مدرسة.

هنا أشير إلى أنني فُصلت من المعهد وأنا في السادسة عشرة من عمري بسبب مشاركتي في المظاهرات، وكان المسرح مدرستي الجديدة. ربما يوحي هذا الحديث بأني جئتُ إلى المسرح صدفة، ولكنني أعلم أنني لو خيّرتُ كنت سأختار المسرح مجدّداً.

أنا من مدينة الكاف، وهي مدينة لها تقاليد مسرحية، يمكن اعتبارها جزءاً من هويتها؛ ممارسةً يوميةً تحوّلت لدى كثيرين إلى حاجة وجودية أو بيولوجية. لكن لو عدت من البداية كنتُ أدخلت تعديلات طفيفة على مساري المسرحي. مثلاً، أتيحت لي الفرصة لاستئناف الدراسة بالخارج ولم أحرص عليها، كما توفّرت فرصة الدراسة في "مركز الفنون الدرامية" آنذاك (المعهد العالي للفن المسرحي) وأحجمت. ولكن مقابل ذلك، ركّزت على تكويني في فرقة الكاف للمسرح، وقد كانت أهم مدرسة بالنسبة لي، وبشكل عام ما زلت مقتنعاً بأن الفرق المسرحية تمثّل أهم فضاء لتكوين الممثلين.


■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟
- في العالم الذي نعيش فيه ما عاد من الممكن الانتظار، حتى المرض بات يُصنّع، والواقع بشكل عام باتت تفرضه أجندات علينا. لنا فقط أن نحلم، ولا أدري هل من الجيّد أن نكون متفائلين بتغيير إلى ما هو أحسن. مثلاً، ها أن سياق الوباء غيّر من سقف أحلامنا، فأن نعود إلى حياتنا كما كانت بات أمنية عزيزة.


■ شخصية من الماضي تودّ لقاءها ولمَ هي بالذات؟
- الشاعر السوري محمد الماغوط. كانت أول مسرحية اشتغلتُ عليها مقتبسة من أحد نصوصه. أعتقد أنه لولا التضييقات التي عاشها كان سيفيدنا فنياً أكثر، وهي ملاحظة تنطبق على جيله الذي أخذت منه السياسة الكثير على حساب الإبداع. من جهتي، عشتُ بعض التضييقات في عهد الحزب الواحد في تونس، لم أكن أنتمي لأي تنظيم سياسي، ولكن لأني معارض بطبعي وغير راض عن إدارة الأمور كنتُ أتعرّض لتضييقات، أعترف أنها مضرة جداً بمسيرة الفنان. لكن لا خيار، الفنان ينبغي أن يكون حراً.


■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟
- الكثير من الأصدقاء لهم أثرهم في مساري، ولكن يبقى أبرزهم عز الدين قنون، رحمه الله. لا يزال دائماً يخطر ببالي. أما الكتب فأعود دائماً إلى روايات غابرييل غارسيا ماركيز، وأحياناً أعود إلى القرآن أبحث في معانيه.


■ ماذا تقرأ الآن؟
- يفرض كل عمل مسرحي جديد قراءاته، تتقاطع مسرحيتي القادمة مع قصة شخصية دراكولا، أحاول أن أستحضرها بأبعادها المختلفة وأن أغذّيها بعناصر من تراثنا وذاكرتنا. يحاول العمل نقل أدوات سينما الرعب من الفن السابع إلى المسرح. أجد أن بناء مغامرة مسرحية على مفهوم الرعب تجربة مهمة وهي لم تدخل بعدُ مسارحنا، وأعتقد أنها يمكن أن تستقطب جمهوراً جديداً للمسرح، خصوصاً من فئة الشباب الذين يُقبلون على سينما الرعب.


■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟
- أنا من جيل نشأ على "الأغنية الملتزمة"، خصوصاً تجربتي الشيخ إمام في مصر ومجموعة "ناس الغيوان" في المغرب. إلى اليوم تحضر هذه التجارب في خياراتي الموسيقية. أقترح عليكم تجربة كنت مشاركاً وهي غير بعيدة عن مناخات الشيخ إمام وناس الغيوان، وهي تجربتي مع مجموعة "أولاد بومخلوف"، وكنتُ فيها مغنّياً وكاتباً لعدد من الأغاني. واجَهت هذه التجربة العديد من التضييقات. بدأت المجموعة في 1977 وانتهت في 1985، ثم حاولنا إحياءها ولكن قرارات رسمية حالت دون ذلك. من الأغاني التي كتبتُ كلماتها واشتهرت كثيراً أغنية "جبال الكاف العالية".


بطاقة
ممثل وكاتب مسرحي تونسي من مواليد 1957. ينتمي حالياً إلى "مسرح الحمراء" في تونس العاصمة وسبق له أن كان عضواً في "فرقة الكاف للمسرح". من أعماله المسرحية: "حديقة الحيوان" (1978)، و"منطق الطير" (1983)، و"مذكرات كوّال" (1999)، و"عشق الغائب" (2000)، و"آخر ساعة" (2008)، و"غيلان" (2013، الملصق)، و"الشقف" (2016). وفي السينما شارك في أفلام: "الأستاذ"، و"دشرة" و"تسلّل"، ومؤخراً في مسلسل "نوبة".

مشاركة الخبر: وقفة مع بحري الرحّالي على وسائل التواصل من نيوز فور مي