"التمردات" تُشتت ما تبقى من موارد اليمن والمواطنون يعانون

"التمردات" تُشتت ما تبقى من موارد اليمن والمواطنون يعانون
"التمردات" تُشتت ما تبقى من موارد اليمن والمواطنون يعانون
تختنق معيشة اليمنيين، في ظل أزمة وقود حادة أشعلت السوق السوداء، لتتسع رقعتها في خضم جائحة فيروس كورونا، التي تنال من مختلف الأنشطة الاقتصادية التي بقيت بصعوبة على قيد الحياة في ظل الحرب والصراعات، بينما تقف الحكومة عاجزة عن مواجهة الأزمات مع تجفيف مواردها في ظل الانسحاب المالي السعودي، ووضع الانفصاليين الجنوبيين يدهم على ما تبقى من موارد مالية، بعد أن استقطع الحوثيون بالأساس جزءا كبيرا منها.

وبعد فترة وجيزة من الانفراج مطلع العام الجاري، أطلت أزمة الوقود من جديد، لتضرب صنعاء وبعض المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الذين لجأوا إلى التصعيد باستهداف مواقع حيوية في العمق السعودي، منها منشآت عسكرية كبيرة، لإجبار الرياض على رفع الحصار المفروض على اليمن، وفق بيان صادر عن المتحدث العسكري لجماعة الحوثي يحيي سريع، أمس الثلاثاء.

ويلاحظ انتشار كثيف للباعة الجوالين والمتنقلين في الشوارع والأسواق، لبيع البنزين والديزل بأسعار يصفها مواطنون بالخيالية، بينما تصطف طوابير السيارات أمام محطات التعبئة القليلة العاملة مع انخفاض المعروض وتراجع الكميات الموزعة إلى أقل من النصف لمعظم أنواع المشتقات النفطية.

وتجاوزت قيمة الصفيحة من البترول 20 لتراً في السوق السوداء بصنعاء نحو 15 ألف ريال (24.1 دولارا أميركيا)، في حين تواصل محطات التعبئة البيع بالسعر المعتمد من قبل شركة النفط اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين والبالغ نحو 6500 ريال للصفيحة.

ويصف المواطن علي العبسي، سائق سيارة أجرة، عملية التعبئة من المحطات بـ "الموت البطيء"، موضحا أن الأمر يتطلب الانتظار ما بين يومين إلى أربعة أيام للوصول إلى المحطة والتعبئة، بسبب محدودية المحطات التي يتوفر فيها البنزين كل خمسة أيام، بينما تتكدس السيارات الراغبة في التعبئة. ويقول العبسي لـ"العربي الجديد" إن الكثير من السائقين يلجأون مضطرين إلى السوق السوداء التي تستغل حاجتهم بصورة بشعة.

وفي خضم الأزمة، يعتبر مسؤول في شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أن بيع الوقود في السوق السوداء غير قانوني، وأن الجهات المختصة تعمل على منعها والحد من الاستغلال بقدر الإمكان، محملاً ما وصفهما بـ"دولتي العدوان" في إشارة إلى السعودية والإمارات، مضاعفة معاناة اليمنيين من خلال احتجاز السفن المحملة بالمشتقات النفطية في عرض البحر، رغم خضوعها واجتيازها كافة الإجراءات التي وصفها بالشاقة في مراكز التفتيش والاحتجاز في دولة جيبوتي والتي تجري تحت إشراف الأمم المتحدة.

وأمس هدد المتحدث العسكري باسم الحوثيين بتنفيذ "المزيد من العملياتِ العسكرية الأشد والأقوى (ضد السعودية) حتى رفع الحصارِ ووقفِ العدوان".

وبين تصاعد الضربات والتهديدات بين قوات التحالف التي تقودها السعودية والحوثيين، يندب معاذ نصر، حظه في التعبئة بعد اصطفافه في طابور طويل أمام محطة تعبئة في منطقة سعوان شمال شرق صنعاء لما يزيد على 30 ساعة، مشيرا إلى أنه عندما وصل وحان دوره فوجئ بنفاد البنزين من الطرمبة (ماكينة الضخ) الوحيدة العاملة في المحطة، وهو ما أصابه بالصدمة لأن عليه الانتظار لساعات أخرى حتى يتوفر الوقود في هذه المحطة، وفق تصريح لـ"العربي الجديد".

وعبر مزارعون عن غضبهم الشديد من الاستهداف المتكرر للمواطن اليمني ومحاربته في لقمة عيشة من جميع الأطراف التي أضحت تستخدم معاناة البسطاء ورقة ضغط متبادلة في الصراع.

ويقول المزارع حميد الشتلي القادم من محافظة عمران (على بعد 30 كيلومترا شمال صنعاء) إلى العاصمة اليمنية للبحث عن الديزل، إن الأزمة الراهنة ضاعفت معاناتهم كمزارعين وزادت تكاليفهم وبددت إنتاجية مزارعهم بسبب شح الديزل اللازم لتشغيل قنوات الري وارتفاع تكاليف النقل، وفوق كل ذلك تكاليف البحث عن الديزل المضنية.

وساهمت أزمات الوقود المتعاقبة وتفشي السوق السوداء خلال سنوات الحرب، في ارتفاع أجور النقل بنسبة 100% مع تغيرات شهرية في أسعار المواد الغذائية مثل الدقيق والقمح والأرز وزيت الطبخ، وتضرر أكثر من ثلثي القطاع الزراعي ونحو مليون حائز زراعي وتلف المحاصيل وارتفاع أسعار التيار الكهربائي التجاري.

وفي حال استمرار الأزمة لأيام أخرى، يتوقع أن تمتد اآثارها لتشمل بشكل أوسع الأفران والمخابز ومن المحتمل أن تتراجع إنتاجيتها بنسبة تزيد على 45%، وسط احتمالات ترجح تفاقم الأزمة الغذائية نتيجة اعتماد سكان صنعاء وغالبية المدن اليمنية على المخابز والأفران في توفير احتياجاتهم من الخبز لصعوبة الحصول على غاز الطهي المنزلي الذي أصبحت عملية توزيعه موكلة إلى "عقال الحارات" والانتظار نحو 25 يوماً للحصول على قنينة غاز، وفق مصادر محلية.

ويرى الباحث الاقتصادي، منير القواس، أن أزمة المشتقات النفطية من العوامل الرئيسية التي تسببت في انهيار الأمن الغذائي وتدهور الأعمال وتوسع الفقر والبطالة وخلق أكبر أزمة إنسانية في العالم يعيشها اليمن، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنها تتسم بالتكرار والتزامن لجميع أنواع المشتقات في نفس الوقت، الأمر الذي يضاعف المعاناة والاَثر السلبي على مختلف شرائح الدخل بالإضافة إلى تزامن هذه الزيادات مع تراجع مستويات المعيشة وحرمان شرائح عريضة من المجتمع لمصادر دخلهم الشحيحة.

وحسب بيانات رسمية اطلعت عليها "العربي الجديد" فقد بلغ متوسط واردات الوقود 157 ألف طن شهريا خلال يناير/كانون الثاني 2028 ونوفمبر/تشرين الثاني 2019 ، ساهمت في تغطية حوالي 29% فقط من الطلب المحلي في المتوسط خلال تلك الفترة.

وتعتمد السوق المحلية في عدن منذ العام 2016 على الاستيراد لأجل توفير المشتقات النفطية بعد أن توقفت مصافي عدن عن تكرير النفط الخام والذي توقف وصوله إليها من حقول النفط بالمحافظات النفطية، والتي هي الأخرى أصبحت تعتمد على الاستيراد عدا كميات بسيطة يتم تكريرها بمصفاة صافر في مأرب (شرق).

وبغرض توفير العملة الأجنبية لمستوردي المشتقات النفطية، نفذ البنك المركزي في عدن، عددا من عمليات المصارفة من الوديعة السعودية النافذة والتحويل الخارجي لتجار المشتقات النفطية عبر البنوك التجارية، بأسعار تقل عن أسعار السوق للعملة الأجنبية.

وبينما تتجلى أزمة الوقود في صنعاء، فإن العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات أخرى في جنوب اليمن تشهد أزمات مستفحلة في الكهرباء وتفشي فيروس كورونا، وتردّيا معيشيا كبيرا بالتوازي مع ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية والأدوية بنسبة تتعدى 700%، مع استفحال أزمة الاستيراد نتيجة نفاد الدولار من البنك المركزي وتهاوي العملة وتمرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً وقيامه بنهب متكرر للأموال الحكومية.

وأمس الثلاثاء، تجددت المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة اليمنية، ومسلحي المجلس الانتقالي الجنوبي، في محافظة أبين، جنوبي البلاد، فيما تستمر أوضاع المواطنين المعيشية بالتدهور نتيجة هذا الصراع.

وينتقد مواطنون ومراقبون الدور السلبي للتواجد السعودي في عدن ودعمه غير المباشر لتصرفات المجلس الانتقالي الجنوبي، وتضخيم مشاريع ما يسمى بالبرنامج السعودي للتنمية في عدن، والذي تقتصر مشاريعه المحدودة على رصف بعض الشوارع، في الوقت الذي لا يجد فيه الناس لقمة عيشهم وممارسة حياتهم الطبيعية مع توقف رواتب الموظفين المدنيين والشلل الذي يضرب مختلف الأعمال التجارية والمهنية.

وتقف الحكومة الشرعية عاجزة عن تدبير موارد مالية في ظل الانسحاب المالي السعودي الداعم لها، ووضع المجلس الانتقالي الجنوبي يده على موارد العديد من الجهات الرسمية في الجنوب.

ولم تعد محافظات مثل حضرموت وشبوة ومأرب والمهرة وتعز وعدن، تورد ضرائب الدولة السيادية والجمركية إلى حساب الحكومة في البنك المركزي.

ومنذ 2018 تعتمد الحكومة على وديعة مالية سعودية بملياري دولار في البنك الأهلي السعودي، لتوفير الدولار للتجار بأسعار تفضيلية وفتح الاعتمادات المستندية لاستيراد السلع والمواد الغذائية والاستهلاكية وشراء وقود لتشغيل المحطات الكهربائية في عدن والمحافظات الجنوبية من اليمن، بينما قاربت الوديعة على النفاد ولم يتبق منها سوى 200 مليون دولار وفق مصادر مصرفية، فيما يعتمد اليمن على الاستيراد بشكل رئيسي في تلبية احتياجاته من السلع الغذائية والاستهلاكية بنسبة تتعدى 80%.

ويقول رئيس مركز الإعلام الاقتصادي اليمني، مصطفى نصر، لـ"العربي الجديد"، إن السعودية أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية كونها المتحكم الرئيسي بشؤون اليمن، مشيرا إلى أنها تتحمل مسؤولية تفاقم المعاناة المعيشية في مرحلة صعبة تعيشها اليمن والعالم بسبب تداعيات فيروس كورونا.

في السياق، يؤكد مصدر مسؤول في البنك المركزي، "وجود عجز مالي كبير يعاني منه البنك، فقد تسبب فيروس كورونا وتمرد المجلس الانتقالي الجنوبي في فقدان الحكومة نحو 70% من الموارد التي كانت متاحة مثل الموارد النفطية الشحيحة منها والموارد العامة الأخرى".

وأقدم الانفصاليون الجنوبيون، في إبريل/نيسان الماضي على الاستيلاء على شحنة تابعة للبنك المركزي تحمل نحو 80 مليون دولار، بحسب عدة مصادر.

مشاركة الخبر: "التمردات" تُشتت ما تبقى من موارد اليمن والمواطنون يعانون على وسائل التواصل