«الحلاق المتنقل» و«كورونا»!

«الحلاق المتنقل» و«كورونا»!
«الحلاق المتنقل» و«كورونا»!

خلال عودتي بالسيارة من رحلة قصيرة لقضاء بعض الأعمال، توقفت عند إشارة مرور في منطقة سكنية أعرفها جيداً وأمرّ بها كثيراً. استرعت نظري شاحنة صغيرة (فان) مزينة تقف أمام منزل ومكتوب عليها بالخط العريض «حلاق متنقل» مع أرقام الهاتف للاتصال من الراغبين في زيارة منزلية لقص شعورهم. أعجبتني روح المبادرة والتفكير الإيجابي لمواجهة ظروف «الكورونا» وإغلاق محلات الحلاقة عدة أشهر قبل السماح لها باستئناف العمل أخيراً.
تفكير خارج الصندوق نحتاج للكثير مثله في أوقات الأزمات، مثل وقتنا الحالي الذي تترنح فيه حتى الاقتصاديات الكبرى، ويغلق فيه كثير من الشركات والأعمال التي لم تتحمل خسائر الإغلاق فترة طويلة بسبب الإجراءات التي فرضتها الحكومات لمواجهة انتشار الفيروس والحد من الوفيات الناجمة عن «كوفيد 19».
أزمة الجائحة لم تنتهِ، ولا أحد يستطيع أن يجزم متى ستنتهي، أو متى ستتوصل التجارب الجارية في عدة دول إلى علاج فعال لـ«كوفيد 19» ولقاح للوقاية من الفيروس. وخلال الأيام القليلة الماضية بدأت عدة حكومات تعلن أن الموجة الثانية من الجائحة بدأت مع الارتفاع مجدداً في عدد الإصابات، وأن الأوضاع قد تزداد سوءاً في فصل الشتاء، وبالتالي لا بد من فرض إجراءات وقيود جديدة. وأول من أمس، وقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أمام البرلمان ليعلن أن حكومته مضطرة لتشديد القيود فيما يتعلق بارتداء الكمامات في الأماكن العامة، مع إلزام المطاعم والحانات بإغلاق أبوابها في العاشرة مساء، ودعوة الناس للالتزام بالتباعد الآمن عندما يكونون خارج منازلهم والتقيد بحصر اللقاءات العائلية بحيث لا يزيد العدد عن 6 أشخاص. وشدد على أن السلطات ستعمل على فرض هذه القيود، وأن المخالفين سيواجهون غرامات تبدأ بـ200 جنيه إسترليني، وقد تصل إلى 10 آلاف جنيه.
جونسون أتبع إعلان الإجراءات في البرلمان بخطاب إلى الشعب أبلغهم فيه أن البلد يشهد موجة ثانية من الجائحة، وحثّ على الالتزام الصارم بالإجراءات الجديدة، محذراً من أن الحكومة ستضطر إلى فرض قيود أشد إذا لم يلتزم الناس، قائلاً إن وعي الناس والتزامهم هو أكبر سلاح لمواجهة أكبر أزمة تواجه العالم منذ عقود عدة. كما أكد أن الإجراءات قد تستمر 6 أشهر، أي حتى الربيع المقبل.
أجراس الإنذار دقت في بريطانيا مع عودة الإصابات إلى الارتفاع بشكل كبير، بعد أن تراجعت خلال الأشهر الماضية. فأول من أمس، بلغ عدد الإصابات اليومي 4926 حالة، وتسجيل 37 وفاة، وهو ما جعل بريطانيا من بين الأسوأ أوروبيا في قائمة الدول التي بدأت تشهد موجة ثانية من الجائحة، مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والنمسا وبلجيكا وبولندا. عالمياً هناك كثير من الدول التي تشهد ارتفاعاً في عدد الحالات الجديدة بعد فترة من الانخفاض، لكن من بين الأسوأ هناك الهند وبيرو والأرجنتين والعراق وإسرائيل. أما الولايات المتحدة فما تزال تتربع على رأس القائمة عالمياً إذ تخطت حاجز 200 ألف وفاة و7 ملايين إصابة، لكن إدارة الرئيس دونالد ترمب ما تزال تحاول التقليل من شأن الأزمة، ولا سيما مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة.
الموجة الثانية من الجائحة أعادت المخاوف والجدل بشأن كيفية التعامل مع الفيروس والتبعات الاقتصادية للقيود المفروضة. فالحكومات تعرف أن عليها أن توازن بين القيود للحد من انتشار الفيروس وبين جهودها لإنقاذ اقتصادياتها التي تعرضت لأكبر هزة منذ الكساد الكبير في القرن الماضي. فحزم الإنقاذ في الاقتصاديات الكبرى والخسائر حول العالم تخطت 8 تريليونات دولار، والحبل ما يزال على الجرار، مع توقعات بمزيد من الأضرار البشرية والاقتصادية في الموجة الثانية من الجائحة. إضافة إلى الخسائر الاقتصادية المباشرة، هناك تكاليف أخرى ناجمة عن تعطل عجلة الإنتاج والعمل وفقدان كثير من البشر فرص عملهم وموارد رزقهم، فمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة تتوقع أن يعاني 1.6 مليار إنسان من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي أضراراً جسيمة في سبل عيشهم، بينما يتوقع أن يفقد 305 ملايين شخص وظائفهم. كل التوقعات تشير إلى أن «الكورونا» سيغير مسار الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة، وأنه مثلما أن هناك موجة ثانية من انتشار الفيروس، فإن هناك موجة ثانية من إفلاس كثير من الشركات الصغيرة، وفقدان ملايين أخرى من البشر لوظائفهم ومصادر رزقهم.
منذ بداية انتشار الفيروس برزت نظريتان للتعامل معه، الأولى هي «مناعة القطيع» ومواصلة الحياة بشكل طبيعي بحيث ينتشر المرض وتنمو تدريجياً مناعة ضده عند الناس. الذين جادلوا ضد مناعة القطيع قالوا إنه من غير الأخلاقي «التضحية» بأعداد كبيرة من الناس بدلاً من اتخاذ إجراءات واسعة لحمايتهم، خصوصاً كبار السن. كذلك أشاروا إلى أنه ليس من المعروف ما إذا كان فيروس الكورونا سيتحور، وتظهر منه سلالات أخرى مثل الإنفلونزا الموسمية التي تصيب سنوياً نحو مليار إنسان حول العالم، ويموت منها ومن الأعراض التنفسية الناجمة عنها نحو 650 ألف شخص سنوياً، جلّهم في الدول النامية والطبقات الفقيرة.
النظرية الثانية للتعامل مع الأزمة، والتي طبقتها معظم دول العالم هي التحرك السريع لاحتواء انتشار الفيروس بفرض إجراءات مثل التباعد الآمن، ولبس الكمامات، والقيود على التجمعات. الهدف بالطبع هو حماية الناس بعد الهلع الذي أصابهم بتأثير التقارير المتتالية عن سرعة انتشار الفيروس، ومناظر المرضى في غرف العناية الفائقة، وأرقام الوفيات، وفي الوقت ذاته تكثيف الجهود لتطوير علاجات ومصل واقٍ.
اليوم مع إعلان كثير من الدول، ولا سيما في أوروبا عن بدء الموجة الثانية، يجادل بعض الخبراء بأنه ربما كان من الأفضل لو اتبعت الدول نموذج السويد التي لم تغلق البلاد، ولم تلجأ للإجراءات المشددة بإغلاق أماكن العمل والمطاعم والمقاهي، بل اكتفت بدعوة الناس للالتزام بالتباعد الآمن، وبحظر التجمعات لأكثر من 50 شخصاً، واعتمدت على حسّ المسؤولية لدى مواطنيها. وعلى الرغم من أن عدد الوفيات كان عالياً بالنسبة إلى عدد السكان (89 ألف إصابة و5870 حالة وفاة من أصل 10 ملايين نسمة)، فإن عجلة الاقتصاد لم تتوقف بالطريقة التي حدثت بها في الدول التي فرضت قيوداً مشددة شلّت اقتصادياتها، كما أن السويد تسجل حالياً أقل عدد من الإصابات الجديدة والوفيات.
المشكلة أنه في الدول ذات التعداد السكاني الكبير من الصعب على أي سياسي أن يجازف بأعداد ضحايا هائلة لتجريب مناعة القطيع التي لا يوجد ما يؤكد نجاعتها في مواجهة هذا الفيروس سريع الانتشار، وربما علينا الانتظار وقتاً أطول لتقييم التجربة السويدية مع «الكورونا» بشكل علمي. الدرس المؤكد أن السويد اعتمدت في سياستها على حس المسؤولية الجماعية عند مواطنيها، بينما تخضع تجربتها للتقييم. فبغضّ النظر عن أي سياسات تنتهجها الحكومات، أو قيود تفرضها، فإن نجاحها أو فشلها يعتمد على الوعي عند الناس والتزامهم بالإجراءات المعلنة. هذا الأمر مهم للغاية، لأن العالم ربما يكون عليه التأقلم مع فكرة التعايش مع فيروس الكورونا مثلما تعايش مع فيروسات أخرى مثل الإنفلونزا. صحيح أن الجهود الجارية عالمياً يمكن أن تقود إلى تطور علاج «كوفيد 19» وتطوير لقاح، لكن ذلك لا يعني بالضرورة القضاء على الفيروس إذا أصبح متحوراً ومتوطناً.
حتى تتضح نتيجة جهود تطوير اللقاح، علينا التأقلم مع المألوف الجديد والتحلي بروح التفكير الإيجابي والمبادرات للتغلب على الظروف الراهنة وضغوطها، على غرار ما فعل ذلك «الحلاق المتنقل».

class="d-none">مشاركة الخبر: «الحلاق المتنقل» و«كورونا»! على وسائل التواصل