اقرأ مع زكى نجيب محمود.. "من زاوية فلسفية" هل لدينا فلاسفة معاصرون؟

اقرأ مع زكى نجيب محمود.. "من زاوية فلسفية" هل لدينا فلاسفة معاصرون؟
اقرأ مع زكى نجيب محمود.. "من زاوية فلسفية" هل لدينا فلاسفة معاصرون؟

نواصل إلقاء الضوء على كتب المفكر الكبير زكى نجيب محمود (1905-1993) والذى يعد واحدا من أبرز مفكرى القرن العشرين، ونتوقف اليوم مع كتاب "من زاوية فلسفية".

ويقول زكى نجيب محمود فى مقدمة الكتاب الذى صدر فى عام 1982: 

كان "تهافت الفلاسفة" الذى ألَّفه الإمام الغزالى فى ختام القرن الحادى عشر الميلادى، بمثابة الرِّتاج الذى أغلق باب الفكر الفلسفى فى بلادنا، فظلَّ مُغلقًا ما يزيد على سبعة قرون، ولم ينفتح إلَّا فى منتصف القرن الماضى، نتيجة لحركة شاملة استهدفت نهوض الحياة الفكرية العربية من كلِّ أرجائها، فنشأ علم، ونشأ فن، وتجدَّد أدَب وتجدَّدت فلسفة.


من زاوية فلسفية

وكان قوام الفكر الفلسفى - فى هذه الحركة الشاملة - هو الدعوة إلى الحُريَّة وإلى التعقيل، أما الحرية فلا تكون إلا من قيد، والقيد الذى كان قائمًا عندئذٍ، بل القيد الذى أخذ يزداد صلابةً على مرِّ القرون التى سادها الحكم التركى بصفةٍ خاصة، هو قيد الجهل والخُرافة فى فهْم الناس للظواهر والأحداث، وهو أيضًا قيد النص المنقول، الذى يفرِض نفسه على الدارِسين فرضًا، بحيث لا يكون أمام هؤلاء الدارسين من منافذ التفكير المُستقل، إلا أن يُعلِّقوا على النص بشروح، ثم على الشروح بشروح، وهلمَّ جرًّا. وهى نفسها الحالة التى جاءت النهضة الأوروبية فى القرن السادس عشر لتجِدها جاثمةً على عقول الدارسين فكان التخلُّص منها والخروج عليها، هو نفسه معنى النهضة فى لُبِّها وصميمها.

وأما "التعقيل" فهو أن نجعل احتكامَنا إلى العقل دون النَّزوة والهوى. وإذا قلنا "العقل" فقد قُلنا أحدَ أمرَين، أو الأمرَين معًا، فإما أن يستنِد الإنسان فى أحكامه إلى شواهد الحسِّ والتجربة — وذلك إذا كان موضوع البحث ظاهرة خارجية من ظواهر الطبيعة أو المجتمع — أو أن يستنِد الإنسان فى أحكامه إلى سلامة الاستدلال فى استخراج تلك الأحكام من مُقدِّماتها — وذلك حين يكون موضوع البحث فكرة نظرية — وقد يجتمع الطريقان معًا فى بحثٍ واحد بعَينه، فنجمَع شواهدنا من تجاربنا أوَّلًا، ثم نُكوِّن فكرةً نظرية نستدلُّ منها ما يسَعُنا استدلاله من نتائج؛ ذلك هو سبيل العقل. وإذن فليس من العقل أن نستنِد فى أحكامنا إلى ما هو شائع بين الناس بحُكم التقليد المَوروث، لا سيما إذا كان هؤلاء الناس قد صادفتْهم من تطوُّرات التاريخ أطوار أغلقَتْ دُونَهم مسالك النظر.

على أنَّ الفكرتَين — فكرة الحرية وفكرة التعقيل — مُكمِّلتان إحداهما للأخرى؛ لأنك إذا تحرَّرتَ من قيود الجهل والوَهْم والخُرافة، كنتَ بمثابة من قطَعَ من الطريق نصفَه السلبي، وبقِى عليه أن يقطع النصف الآخر بعملٍ إيجابى يؤدِّيه، كالسَّجين تُخرجه من مَحبسِه، فلا يكون هذا وحدَه كافيًا لرسم الطريق الذى يسلكه بعد ذلك، وكذلك المُتحرِّر من خُرافة قد يقع فى خُرافة أخرى. ولهذا كان لا بدَّ لتكملة الطريق على الوجه الصحيح، أن تكون أمام المُتحرِّر بعد تحرُّرِه خطة مرسومة يهتدى بها، وما تلك الخطة الهادية إلا خطة «العقل» فى طريقة سيره. فإذا قُلنا: إن الفكر الفلسفى الحديث عندنا جاء مُتميزًا بالدعوة إلى الحُريَّة وإلى التعقيل، فقد قُلنا بذلك إنه كفَل أمامنا سواء السبيل بنِصفَيها: السَّلبى والإيجابى معًا.

ولئن كانت العلوم المُختلفة من طبيعة وكيمياء وطب وهندسة وغيرها، من شأنها كذلك أن تكفُل التَّحرُّر من الخُرافة كما تكفُل "تعقيل" السير إلى هدف، وكانت تلك العلوم قد بدأت تفعل فِعلها فى حياتنا الفكرية منذ القرن الماضى أيضًا؛ إلا أنَّ الفلسفة أفعلُ إيقاظًا للعقل، لسبب بسيط واضح، وهو أنَّ العلوم تُقرِّر ما قدْ ثبتَتْ عند العلماء صحته، فلا يكون أمام الدارس إلا أن "يتعلَّم"، وأما الفلسفة فتضع دارسها دائمًا بإزاء المسائل التى تُثيرها مَوضِعَ من يسأل قائلًا: هل هذا صحيح؟ وفى سؤال كهذا بداية التفكير النقدى الحُر. ولا بأس فى أن يتعارَض مُفكِّران، ما دام كلٌّ منهما يُحاول إقناع زميله بطريقة الحُجَّة العقلية بأحدِ مَعنيَيْها السابقَين أو بهما معًا: بالشواهد الحسية، أو بالاستنباط السليم، أو بكليهما جميعًا. فلا أحسبُنى مُخطئًا إذا زعمتُ أنَّ قيام الفكر الفلسفى على صُورته الصحيحة التى تُثير عند الدارس قوَّة التفكير النقدى الحُرِّ المعقول (الحرُّ من قيود الآراء المُسبَقة، والمعقول فى خُطَّة سَيره نحوَ الهدَف المقصود)، هو من أوضح العلامات التى تُشير إلى قيام نهضةٍ فكرية، حتى لأُوشِك أن أقول فى هذا الصدد: دُلَّنى على نوع الفلسفة القائمة فى بلدٍ أو فى عصر، أقُل لك أى بلدٍ هو وأى عصر. وإنه ليبدو لى فى وضوحٍ أنَّ الفكر الفلسفى عندنا قد استقام على عُودِه منذ أواخر القرن الماضي، على أيدى "هواة" يتناولون الأمور تناولًا فلسفيًّا دون أن يتَّخِذوا من الفلسفة ذاتها موضوع دراسةٍ مُتخصِّصة، ثم أخَذَ يزدادُ نماء، فيزداد جُنوحًا نحوَ الدراسة المُتخصِّصة، فى الجامعات، بل وفى بعض صفوف المدارس الثانوية. وإن نظرةً تحليلية إلى ما نشرَتْه وما تنشُره المطابع من مؤلَّفات فلسفية وإلى سَعةِ انتشار تلك المؤلَّفات بالنسبة إلى سواها، لتدلُّ دلالةً قاطعة على مدى الفكر الفلسفى عندنا طولًا وعرضًا وعُمقًا؛ فهو فكر قد شمل الماضى بنشْرِ تُراثِه، والحاضر بعرْضِ مذاهبه، والمُستقبل بالتخطيط له، وهو فكر قد ترجَم وألَّف فى كلِّ ميدان من ميادين البحث الفلسفي، فصدرت كُتب ونُشرَت فصول يتعذَّر حصرُها، تناولت الفلسفة الشرقية القديمة، والإسلامية، والغربية من يونانية ووسيطة وحديثة ومُعاصرة؛ تناولتْها من حيث تواريخها وشخصياتها ومشكلاتها ومذاهبها.

ولم نكن فى هذه الحركة الفلسفية الشاملة إلا مُقتَفِين خُطى أسلافنا ومُنتهجين نهجَهم فى فتح الأبواب والنوافذ جميعًا ليَجيء الهواء من شرْق أو من غرْب، من قديمٍ أو جديد، من مُؤمنٍ أو من مُتشكك، حتى التقتْ وجهات النظر المُختلفة، وانصهرَتْ وكان منها ما جاز لنا أن نُسمِّيه بمذهبنا الفلسفى الخاص. لكن إذا كان هذا المذهب الفلسفى الخاص عند المسلمين الأقدمين تُلخِّصه عبارة واحدة هى "التوفيق بين النقل والعقل" فأحسب أن المذهب الفلسفى الخاص عندنا اليوم تُلخِّصُه عبارة واحدة كذلك هي: "الجمع بين الحرية والعقل".

class="d-none">مشاركة الخبر: اقرأ مع زكى نجيب محمود.. "من زاوية فلسفية" هل لدينا فلاسفة معاصرون؟ على وسائل التواصل من نيوز فور مي